تبقى اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي محاطة بقدر كبير من عدم اليقين، في ظل التطورات الجيوسياسية واحتمالات التصعيد وتأثيرها على تدفق التجارة العالمية. ومع استمرار المخاوف بشأن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، تبرز الحاجة إلى فهم كيفية حماية اقتصادات المنطقة من الأزمات المحتملة.
وشهدت أسواق النفط تحركات متقلبة منذ بداية الأزمة، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 15% قبل أن تعاود الهبوط بنسب مماثلة. هذه التقلبات تعكس المخاوف بشأن نقص الإمدادات وتأثيرها المحتمل على النمو الاقتصادي العالمي، خاصة في ظل التهديدات التي تواجه المنشآت النفطية وإمكانية إغلاق مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يرى مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والتمويل، أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك أدوات مهمة لتفادي الآثار الاقتصادية للحرب، لكن قدرتها على الصمود تعتمد على طبيعة الصراع ومدته. فيما أشار تقرير صادر عن بنك ستاندرد تشارترد إلى أن التأثير الاقتصادي على دول الخليج سيكون محدودًا نسبيًا وغير متساوٍ بين الدول، وذلك بفضل الاحتياطيات المالية الضخمة والمرونة المالية والهياكل الاقتصادية المتنوعة.
ويشير التقرير إلى أن أصول الصناديق السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي لدول الخليج تتجاوز 6.5 ترليون دولار، مما يوفر لها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات الداخلية والخارجية. غير أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز دون وجود بدائل لوجستية قد تواجه ضغوطًا أكبر على مستوى الإيرادات وحركة التجارة.
ويؤكد مدحت نافع أن أي تعطل طويل الأجل في صادرات الطاقة قد يؤدي إلى تراجع في الفوائض المالية، مما يفرض على بعض الحكومات إعادة تقييم أولويات الإنفاق. كما أن ارتفاع أسعار النفط يحمل في طياته جوانب إيجابية وسلبية؛ فهو يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكنه قد يضغط على الاقتصاد العالمي ويزيد من تكاليف التأمين والشحن.
ويوضح رائد حامد الخضر، مدير تطوير الأعمال لدى مجموعة إيكويتي للوساطة المالية، أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب أو إغلاق الممرات البحرية يمثل "علاوة خوف" مؤقتة وغير مستقرة، حيث يخشى المستثمرون من نقص الإمدادات ويرفعون الأسعار تحسبًا.
ويؤكد الخبراء أن الاحتياطيات المالية الضخمة وصناديق الثروة السيادية تمثل خط الدفاع الأول، حيث تتيح للحكومات امتصاص الصدمات ودعم الاستقرار المالي على المدى القصير. كما أن هيكلة الاقتصاد الخليجي والمرونة المالية تساعد على الصمود، بشرط أن يكون التدخل موجهاً لا عشوائياً.
ويشير تقرير ستاندرد تشارترد إلى أن القطاعات غير النفطية في دول الخليج أصبحت أكثر قدرة على الصمود، بفضل برامج التنويع الاقتصادي التي تبنتها الحكومات خلال السنوات الماضية. ويؤكد نافع أن التنوع الاقتصادي، خاصة في قطاعات السياحة والخدمات، يساهم في تخفيف حدة الصدمة، لكنه ليس حصانة كاملة.
ويوضح الخضر أن دول الخليج تستطيع تفادي الانهيار الاقتصادي، لكنها لا تستطيع تفادي الصدمة نفسها. ويضيف أن التنوع الذي بنته دول الخليج خلال السنوات الأخيرة أصبح بالفعل خط دفاع حقيقياً، حيث أصبحت المنطقة أكثر توسعاً في القطاعات غير النفطية.
ويرى الخبراء أن دول الخليج في وضع أفضل نسبيًا لاحتواء الصدمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة تداعيات صراع ممتد، وليس مجرد التعامل مع صدمة مؤقتة. ويؤكدون أن المطلوب ليس دعماً شاملاً يبدد الموارد، بل حزم مؤقتة ومحددة للقطاعات المتضررة مباشرة.
وتسارع دول الخليج الزمن من أجل حماية تدفق التجارة والطاقة ببدائل لوجستية سريعة، وهو ما تعطيه أولوية قصوى. فالسعودية رفعت صادراتها من ينبع على البحر الأحمر، مستفيدة من خط الشرق - الغرب ذي الطاقة القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً.
ويختتم الخبراء بأن قدرة دول الخليج على الصمود في مواجهة الآثار الاقتصادية للتطورات الجيوسياسية تعتمد على استخدام الاحتياطيات بذكاء، وتقديم دعم مالي انتقائي وسريع، وحماية القطاعات غير النفطية، وتأمين بدائل عملية للصادرات والواردات.