لم تعد عبارة "طرق الموت" مجرد تعبير مجازي في السياق السوداني، بل أضحت حقيقة واقعة ومسارات يسلكها الفارون من ويلات القتال نحو مصائر مجهولة. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل ثلاث سنوات، شهد السودان موجات نزوح واسعة النطاق، غير أن الطرق التي يسلكها النازحون أصبحت أشد خطورة، حتى وإن كانت بعيدة عن مناطق الاشتباكات.
ومع تصاعد حدة القتال، تحولت الطرق إلى كمائن قاتلة، يسلكها الهاربون بحثًا عن النجاة، فلا يجدون سوى المزيد من اليأس، وفقًا لمنظمة "أطباء بلا حدود". ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تحركت تجمعات بشرية كبيرة، فرارًا من القتال، حيث نزح الملايين قسرًا من العاصمة الخرطوم وضواحيها إلى الشمال والشمال الشرقي، وأحيانًا إلى المناطق الوسطى.
إلا أن الفرار لم يضمن النجاة لمن اختاروه، إذ لاحقت صنوف القتل الباحثين عن الأمان، وتجلت الفظائع والانتهاكات المروعة التي أودت بحياة الناس في الجنينة بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2023. آنذاك، لجأ الناجون من هجوم الدعم السريع إلى الفرار نحو مدن مجاورة أو إلى تشاد، حاملين في ذاكرتهم صورًا مروعة للجرائم التي عايشوها، وكشفت الشهور اللاحقة أن السيناريو نفسه سيتكرر في الفاشر والمخيمات المحيطة بها.
وبالفعل، جاء الدور على مخيمات النزوح حول نيالا والفاشر، عاصمة إقليم دارفور، والتي كانت ملاذًا للنازحين من حرب 2003، ليشهدوا فصلًا جديدًا من المأساة. فقد حاصرتهم قوات الدعم السريع وبدأت في استهداف كل من يفكر في الخروج بحثًا عن الطعام. ووصف أحد النازحين المقيمين في المخيم محاولة تهريب السلع الغذائية بالمجازفة المحفوفة بالمخاطر، مشيرًا إلى أنه يعرف ما لا يقل عن عشرة شبان حاولوا القيام بذلك، لكنهم اعتقلوا وقتلوا في حوادث متفرقة.
وكان مخيم زمزم أحد هذه المخيمات التي استهدفتها قوات الدعم السريع في أبريل/نيسان الماضي، مما أدى إلى موجة نزوح جماعي جديدة باتجاه طويلة والفاشر، التي سرعان ما وصلها الموت. فبعد حصار دام أكثر من 500 يوم، شنت قوات الدعم السريع هجومًا واسع النطاق من عدة محاور، لتغرق المدينة في القتل الجماعي والتنكيل بالسكان، الذين لم يكن أمامهم سوى الفرار نحو مدينة طويلة، التي تبعد نحو 70 كيلومترًا غربًا.
وأفادت إحدى النازحات بأن زوجها قتل خلال محاولة الخروج من الفاشر، وأن جثته بقيت في الطريق، بينما واصلت هي ومن معها السير لمدة ثلاثة أيام، بعد أن سرقت قوات الدعم السريع منهم كل شيء. ووثقت الأمم المتحدة شهادات لنازحين قطعوا المسافة سيرًا على الأقدام في رحلة تستغرق ما بين ثلاثة وأربعة أيام، ونقلت منظمات أممية شهادات صادمة لناجين تعرضوا للملاحقة والاعتداء والسرقة خلال فرارهم.
وفي جميع مسارات النزوح، كان العنف المروع يلاحقهم أينما حلوا، حيث اختطفت قوات الدعم السريع المئات منهم وطالبت بفدية لإطلاق سراحهم، وتشتت شمل عائلات أخرى، وتوه الأطفال عن ذويهم، حسبما أكده المجلس النرويجي للاجئين. ولم يكن الموت والخطف وحدهما ما يلاحق النازحين، فقد حاصرهم الحر الشديد أيضًا، بعد أن وصلت درجات الحرارة خلال هجوم الدعم السريع على الفاشر إلى ما بين 39 و42 درجة مئوية.
وأفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 70 ألف شخص فروا من المدينة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، إلا أن بعضهم قضى عطشًا أو جوعًا، بينما بقي مصير آخرين مجهولاً. وتكتفي الأمم المتحدة بوصف ما يجري في السودان بأنه أسوأ كارثة إنسانية في التاريخ الحديث، وهي عبارات لا تعدو كونها حبرًا على ورق بالنسبة للسودانيين، لأنها لا توقف الموت الذي يلاحقهم منذ عقود.