في الحلقة الثانية من برنامج الذاكرة السياسية، يواصل السياسي السوداني مبارك الفاضل المهدي استعادة كواليس واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان الحديث، متوقفًا عند المصالحة الوطنية التي جرت مع الرئيس جعفر النميري بعد سنوات من المواجهة المسلحة، وما رافقها من خلافات داخل المعارضة، وصولًا إلى انهيار نظام مايو وعودة الحياة الديمقراطية.
المصالحة... بين المغامرة والأمل
يكشف مبارك الفاضل أن نظام جعفر النميري بدأ يبحث عن مخرج بعد أن أدرك أنه لم يعد في مأمن من المعارضة، ففتح عدة قنوات اتصال مع الصادق المهدي تمهيدًا للمصالحة الوطنية. ويؤكد أن الصادق المهدي، رغم صدور حكم بالإعدام بحقه، قبل الذهاب إلى مدينة بورسودان للقاء النميري، إيمانًا منه بإمكانية حقن الدماء، رغم اعتراض عدد من المقربين منه على تلك الخطوة.
ويروي الضيف أن الصادق المهدي سجّل رسالة لأنصاره قبل سفره قال فيها: «أنا ذاهب من أجل حقن الدماء، ولكن إن غُدر بي، فليكن دمي وقودًا للمقاومة.» ويضيف أن وصوله إلى بورسودان فاجأ النميري نفسه، حتى إنه استقبله مرددًا: «شجاع... شجاع... شجاع.» قبل أن يبدأ الطرفان أولى خطوات المصالحة الوطنية.
كما يتوقف الحوار عند الخلافات التي ظهرت داخل قوى المعارضة بشأن المصالحة، وموقف الشريف الهندي، ثم تجربة المشاركة السياسية التي انتهت سريعًا بعد تعثر تنفيذ الاتفاقات، ليتجدد الصدام بين المعارضة والنظام.
قوانين سبتمبر... بداية المواجهة الجديدة
وتتناول الحلقة مرحلة إعلان قوانين سبتمبر عام ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وثمانين، والتي يعتبرها مبارك الفاضل نقطة تحول أعادت البلاد إلى مربع المواجهة. ويقول: «لم تكن تلك القوانين قوانين إسلامية، وإنما استُخدم الدين لإقامة دولة بوليسية بعد أن بدأت الأزمات الاقتصادية والسياسية تتفاقم، وعادت الحرب في الجنوب من جديد.»
ويشير إلى أن رفض المعارضة لهذه القوانين قاد إلى موجة اعتقالات واسعة، كان هو أحد ضحاياها، قبل أن تتصاعد الاحتجاجات الشعبية التي مهدت لسقوط نظام جعفر النميري.
الطريق إلى سقوط نظام مايو
وفي الجزء الأخير من الحلقة، يكشف مبارك الفاضل تفاصيل الأيام الأخيرة لنظام النميري، والدور الذي لعبه المشير عبد الرحمن سوار الذهب داخل المؤسسة العسكرية، موضحًا أن قائد الجيش كان مترددًا في الانحياز للحراك الشعبي بسبب القسم الذي أداه للرئيس، قبل أن يميل إلى قرار الوقوف مع الشعب بعد مشاورات واسعة داخل الجيش.
ويضيف أن سوار الذهب ربما استعان بفتوى دينية تبرر خروجه على البيعة، قائلاً: «لا أستبعد ذلك، لأنه كان رجلًا متدينًا وصوفيًا.» كما يكشف أن المؤسسة العسكرية حسمت موقفها بعد استطلاع رأي الضباط والجنود، الذين أجمعوا على ضرورة الانحياز لإرادة الشعب، وهو ما مهّد للإطاحة بالنظام وعودة الحكم المدني.
وتختتم الحلقة بالانتقال إلى مرحلة الديمقراطية، حيث يشرح مبارك الفاضل أسباب إخفاق القوى السياسية في إلغاء قوانين سبتمبر، رغم وصولها إلى الحكم، مشيرًا إلى أن الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، وتعثر الاتفاق على البديل التشريعي، حالا دون تنفيذ ذلك، لتبقى تلك المرحلة إحدى أكثر محطات التاريخ السوداني تعقيدًا وتأثيرًا في مسار الدولة.