لم يكن مشهد انحسار مياه نهر النيل في السودان الحالي، مفاجأة لخبراء المياه، الذين توقعوا حدوثه في العديد من الدراسات التي حذرت من أن الاختبار الحقيقي لسد النهضة لا يكون في سنوات الفيضان، بل في سنوات الجفاف، عندما تصبح قرارات تشغيل السد وكميات التصريف المائي عاملا حاسما في استقرار إمدادات المياه والزراعة في دول المصب، بداية من السودان ثم مصر.

وتزامنت سنوات ملء السد مع سنوات الفيضان، لذلك كان التأثير محدودا على السودان ومصر، واقتصر التأثير السلبي الملموس على المرحلة الأولى من الملء.

ورغم أن إثيوبيا احتجزت خلال تلك المرحلة كمية أقل من المراحل التالية (4.9 مليار متر مكعب من المياه)، إلا أن تأثيرات سلبية حدثت لدولتي المصب (مصر والسودان)، لأن عملية الملء كانت مفاجئة وحدثت خلال فترة قصيرة، ولم تكن هناك معلومات تشغيلية كافية عند الدولتين، كما أنها تمت قبل وصول ذروة الفيضان الإثيوبي.

وخلال تلك المرحلة في يوليو/تموز 2020، نجحت مصر بمساعدة مخزونها المائي في السد العالي، في تجاوز تلك التأثيرات السلبية، فيما وثقت دراسة لباحثين سودانيين نشرتها دورية "ووتر إنترناشونال" (Water International)، حدوث أزمة كبيرة في السودان، بسبب انخفاض في التدفق المائي عند الحدود السودانية الإثيوبية من نحو 220 مليون متر مكعب يوميا إلى 120 مليون متر مكعب يوميا، أي انخفاض يقارب 45% خلال فترة قصيرة جدا، وتسبب ذلك في تعرض الخرطوم لأزمة مياه شرب مباشرة، حيث انخفض حينها منسوب النيل في الخرطوم بنحو 8 أمتار خلال يومين فقط (17–18 يوليو 2020)، وهو ما تسبب في تعطل عدد من محطات مياه الشرب التي تعتمد على السحب المباشر من النيل، مما أثر على إمدادات المياه لملايين السكان في العاصمة السودانية.

وتوضح الدراسة أن هذا الوضع دفع مهندسي وزارة الري السودانية إلى تعديل سياسات تشغيل سد الروصيرص على النيل الأزرق، وسد جبل أولياء على النيل الأبيض من أجل التعامل مع التغيرات المفاجئة في التصريفات القادمة من إثيوبيا.

وخلال مراحل الملء التالية من الثانية إلى الخامسة لم يحدث انخفاض في إمدادات المياه، رغم أنها كانت المراحل الأكبر في ملء خزان سد النهضة، إذ احتاجت إثيوبيا خلال المرحلة من الثانية في عام 2022 إلى الخامسة في عام 2024، إلى كميات 13.5 مليار متر مكعب و22 مليار متر مكعب و41 مليار متر مكعب و60 مليار متر مكعب على الترتيب، ولكن كانت الأمطار على الهضبة الإثيوبية وفيرة نسبيا، وكانت كميات الفيضان أكبر، لدرجة أنه تم تمرير كميات كبيرة من المياه تفوق طاقة السودان على الاستيعاب، وذلك رغم استمرار التخزين، وهو ما أدى إلى فيضانات في بعض الأعوام بالسودان، كان أقربها العام الماضي.

وتجاوزت مصر هذه الأزمة أيضا بفضل السد العالي، فكما كان مفيدا في تجاوز الشح الذي أوجده غياب التنسيق خلال عام الملء الأول بما يملكه من مخزون، كان مفيدا أيضا في استيعاب كميات كبيرة من المياه التي وصلته في أعوام الوفرة، بل وتم تصريف الزائد عن الحاجة في مفيض توشكى.

View this post on Instagram

الإدارة الإثيوبية

وبينما كان يمكن تجاوز تداعيات الشح الذي أوجده غياب التنسيق خلال عام الملء الأول، بتبادل البيانات والمعلومات بين إثيوبيا والسودان، وهو ما لم يحدث كما أكدت الدراسة السودانية، فإن نفس الأمر تكرر في سنوات الوفرة الزائدة من عام 2021 حتى عام 2025، فوصلت في بعضها كميات تفوق طاقة السودان على الاستيعاب فحدثت الفيضانات، كما يوضح الدكتور أحمد المفتي، الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري السودانية في تصريحات للجزيرة نت.

أما الوضع الراهن، الذي تسبب في انحسار مياه النيل، فهو مزيج من تحكم إثيوبي منفرد في كميات المياه عبر سد النهضة مع ظروف مناخية تسببت في قلة مياه الأمطار، ومع ذلك يؤكد المفتي، أن الظروف المناخية قبل سد النهضة كانت تتسبب عندما يكون الفيضان أكثر من المتوسط في فيضانات محدودة يمكن التعامل معها، وعندما يكون أقل من المتوسط يحدث انحسارا مقدورا عليه، لكن مع وجود سد النهضة تغير الحال".

ويضيف أن "ملء وتشغيل خزان بسعة أكثر من 60 مليار متر مكعب، من الطبيعي أن يحدث كوارث انحسارا أو فيضانا، إذا غاب التنسيق المسبق مع دول أسفل النهر".

ويصف الدكتور كارم عبد المحسن، الباحث المشارك في كلية الاستدامة بجامعة ولاية أريزونا الأمريكية، الوضع الراهن بأنه "أول اختبار لإدارة سد النهضة في سنوات الجفاف"، والذي تمارس خلاله إثيوبيا نفس أسلوب الإدارة المنفردة.

ويقول في تصريحات للجزيرة نت: "إذا كان من الممكن التعامل إلى حد ما مع تداعيات هذا الأسلوب في سنوات الوفرة، فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة خلال سنوات الجفاف".

وأطلق مركز التنبؤات المناخية وتطبيقاتها، التابع لمنظمة الإيغاد، تحذيرا مناخيا واسع النطاق بشأن موسم الأمطار الرئيسي في القرن الأفريقي، متوقعا أن تشهد معظم دول المنطقة، أمطارا أقل من المعدلات الطبيعية خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول 2026، وهي الأشهر التي تمثل موسم الأمطار الأهم، وهو ما حدث بالفعل، وأدى إلى وضع إثيوبيا أمام خيارين، إما أن تستفيد من المياه الواردة مع قلتها بأقصى استفادة ممكنة للحفاظ على مخططاتها لتشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء، أو تحقق توازنا بين أهدافها ومصالح الآخرين.

ويوضح كارم أن "مفاوضات سد النهضة بين إثيوبيا ودول المصب، كانت تسعى إلى نصوص ملزمة لإثيوبيا لتحقيق التوازن بين أهدافها ومصالح الآخرين خلال سنوات الجفاف، لكنها اختارت الخيار الأول، مكتفية بإطلاق تعهدات بأنها لن تضر دولتي المصب، حتى جاء أول اختبار للجفاف، ليظهر التأثير السلبي الكبير لسد النهضة الذي خشيت منه دولتا المصب وحذرت منه الدراسات العلمية".

سد النهضة الإثيوبي (إذاعة فانا الإثيوبية)

جفاف العشر سنوات

وأبرز الدراسات التي حذرت من هذا السيناريو، تلك الدراسة البريطانية الأمريكية المشتركة المنشورة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، حيث أظهرت نتائج تلك الدراسة المنشورة في عام 2020، أن سنوات الإيراد المائي الطبيعي أو المرتفع قد لا تشهد تأثيرات كبيرة على دول المصب، إذ يمكن تعويض النقص المؤقت في المياه من خلال الخزانات القائمة.

لكن الدراسة حذرت من أن الصورة تختلف خلال فترات الجفاف الطويلة، فقد استخدمت نماذج حاسوبية لمحاكاة ظروف جفاف مشابهة لتلك التي شهدها حوض النيل خلال عشر سنوات بين عامي 1978 و1987، وهي واحدة من أشد فترات الجفاف المسجلة في المنطقة.

ووفقا للنتائج، فإن الخطر الأكبر لا يرتبط بوجود السد نفسه، بل بطريقة تشغيله خلال سنوات الشح المائي، ففي حال غياب التنسيق بين إثيوبيا والسودان ومصر، قد تتعرض منظومة النيل لضغوط متزايدة نتيجة تراجع الإيرادات المائية وتنافس الخزانات المختلفة على الموارد المتاحة.

وأكدت الدراسة أن السودان سيكون في موقع حساس بشكل خاص، بحكم وقوعه مباشرة أسفل سد النهضة، ما يجعل أي تغيير في كميات المياه المنصرفة من السد ينعكس بسرعة على السدود السودانية ومحطات مياه الشرب ومشروعات الري الزراعي.

كما أشارت إلى أن الإدارة المنسقة بين سد النهضة والسدود السودانية والسد العالي في مصر يمكن أن تقلل بصورة كبيرة من آثار الجفاف، بل وقد تساعد في توزيع المخاطر بين الدول الثلاث بطريقة أكثر كفاءة، أما الإدارة المنفردة وغياب تبادل البيانات، فقد يزيدان من احتمالات حدوث أزمات مائية خلال سنوات الجفاف.

وأوصت دراسة دولية نشرتها دورية "ووتر إنترناشونال" (Water International)، بنفس التوصية التي خلصت لها الدراسة السابقة، إذ أكدت على أن التنسيق بين إثيوبيا والسودان ومصر، هو العامل الحاسم لتجنب الأزمات المائية خلال سنوات الشح والجفاف.

مسؤولية سد النهضة

وكانت وزارة الري والموارد المائية في السودان قد شخصت الأزمة الحالية بالأرقام، مشيرة في بيان على صفحتها بموقع فيسبوك، أنها رصدت انخفاضا مؤقتا في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو/تموز 2026، حيث انخفض من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يوميا، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب في اليوم، الأمر الذي انعكس على التصريف خلف خزان الروصيرص بانخفاض قدره 100 مليون متر مكعب يوميا، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يوميا خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو/تموز 2026.

وأوضحت أن ذلك أدى إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات الرئيسية، شمل الروصيرص (1.50 متر)، وود العيس (1.70 متر)، وود مدني (1.60 متر)، والخرطوم (1.08 متر)، والحلفايا (94 سم)، وشندي (54 سم)، فيما لا تزال المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم أعلى من مستوياتها المسجلة خلال العام السابق حتى تاريخ 15 يوليو/تموز 2026.

وعزت الوزارة هذا الوضع إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة.

وإزاء هذا الوضع لا يرى الدكتور أحمد المفتي، من حل سوى الاستجابة لمطالب السودان ومصر حاليا بوجود اتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا ينظم عملية الملء والتشغيل.

ويضيف : "هناك بالطبع مطالب أخرى عديدة، لطالما نادينا بها، أهمها ما يتعلق بأمان السد الذي نصت عليه اتفاقية عنتيبي التي صادقت عليها إثيوبيا، ولكنها رفضت النص عليه في إعلان مبادئ سد النهضة لسنة 2015، ولم يعترض السودان ومصر على ذلك".