بين تحولات السياسة الأمريكية تجاه إيران، ومستقبل القيادة السياسية في بريطانيا، تتنقل أقلام الصحافة البريطانية والأمريكية، فيما يعود الجدل في الداخل البريطاني حول مستقبل العطلة الصيفية على أبواب عام دراسي جديد، فماذا قرأنا في جولة الصحف اليوم؟
نبدأ من افتتاحية صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، التي تسخر فيها هيئة التحرير من إعلان الرئيس دونالد ترامب إنهاء الحرب على إيران للمرة الثامنة، متسائلة ما إذا كانت المرة التاسعة ستكون مختلفة، بعد قراره الأخير وقف التصعيد العسكري سعياً للتوصل إلى صفقة مع "النظام الثوري"، بحسب تعبير الصحيفة.
ويستحضر الكتّاب في مقال تحت عنوان "أحدث (اتفاق) لترامب مع إيران" المنشور الأخير للرئيس الأمريكي المتعلق بوقف الهجمات على إيران، متعجّبين من سرعة "التحول الإعجازي" الذي أوقف فيه ترامب ذلك.
وتتحدّث هيئة التحرير عمّا نقلته وكالة الأنباء السعودية حول طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ترامب التراجع عن الضربات "خشية أن تصبح منشآت النفط وناقلات النفط السعودية أهدافاً لإيران في الخليج، وكذلك لوكيلها الحوثي في البحر الأحمر".
وتقول: "إذا صح ذلك، فإنه يمثل علامة أخرى على أن إيران باتت تمتلك زمام التصعيد في هذا الصراع".
وتلفت الافتتاحية إلى أن إيران لم تعلن الكثير حتى لحظة كتابة المقال في الصحيفة، فيما تشير تسريبات المفاوضين إلى وساطات متواصلة تقودها سلطنة عُمان وقطر، معتبرة أنه من المستبعد تقديم طهران تنازلات كبيرة بشأن برنامجها النووي، وخاصة أن مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو/حزيران لم تتضمن، بحسب الصحيفة، سوى تنازلات محدودة.
وترى هيئة التحرير أن تهديدات ترامب الأخيرة بالتصعيد جاءت عقب هجمات إيرانية على سفن حاولت عبور مضيق هرمز بدون إذن طهران، إضافة إلى الهجوم الصاروخي على "قاعدة أمريكية في الأردن"، معتبرة أن تذبذب الرئيس الأمريكي بين التصعيد والدعوة إلى السلام يعكس "أسلوباً فوضوياً في إدارة الحرب".
وتقول الافتتاحية إن هذا النهج قد يربك الخصوم، لكنه في الوقت نفسه يربك الرأي العام الأمريكي، الذي لم يعد يعرف أهداف الحرب أو كيفية تحقيقها، مشيرة إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجع تأييد الناخبين للحرب. وتضيف أن استئناف القصف، إن حدث، لن يكون له هدف استراتيجي واضح سوى محاولة دفع إيران إلى توقيع ما يسميه ترامب "صفقة".
وتعتبر الصحيفة أن ترامب، منذ موافقته على وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، أظهر رغبته في الخروج من الحرب، مدفوعاً بمخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكي، ورغبته في خفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي، خاصة مع تراجع معدلات تأييده.
وترى هيئة التحرير أن طهران قرأت هذه المواقف بوصفها مؤشرات ضعف، ففسرت مذكرة التفاهم على أنها فرصة لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، وواصلت، بحسب المقال، "استفزاز" واشنطن عبر مهاجمة حلفائها وقواعدها، بينما لم تنجح الضربات الأمريكية حتى الآن في دفع إيران إلى التراجع.
وتضيف أن إيران تدرك أيضاً أن ترامب محاط بمستشارين كانوا يعارضون مهاجمتها منذ البداية، ويرغبون الآن بإنهاء الصراع بأي شروط تقريباً، معتبرة أن هؤلاء يرون كلفة استمرار الحرب أكبر من الضرر الذي قد يلحق بمصداقية الولايات المتحدة نتيجة وقف إطلاق النار الذي يمنح إيران زمام المبادرة في الخليج.
وتختتم الافتتاحية بالتشكيك في ما إذا كانت إيران قد وافقت بالفعل على شروط يمكن اعتبارها انتصاراً أمريكياً، كما أوحى ترامب، مذكّرة بأن مفاوضيه سبق أن اعتبروا مذكرة التفاهم دليلاً على أن طهران "فتحت صفحة جديدة" وأصبحت تريد أن تكون "دولة طبيعية".
وتخلص إلى أن الحكم يجب أن يكون على أفعال إيران، لا على التصريحات التي تصدر عنها أو عن ترامب.
"لدينا رئيس وزراء مناسب للعصر الرقمي"

في مقال بصحيفة "الغارديان"، ترى الكاتبة نسرين مالك أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، "آندي بيرنهام"، يمثل نموذجاً مختلفاً في التواصل السياسي، إذ يبدو مرتاحاً ومستمتعاً بمنصبه، على عكس سلفه كير ستارمر الذي تصفه بأنه لم يُظهر طوال فترة قيادته "لحظة عفوية واحدة" أو مشاعر طبيعية أمام الجمهور.
وتعتبر مالك أن ظهور قائد يبدو راغباً في موقعه أمر مهم، لأن السياسة تقوم على بناء علاقة مع الناس لا على توبيخهم. وترى أن حكومة ستارمر أوحت، طوال فترة حكمها، بأن المشكلة تكمن في الناخبين أنفسهم، وكأنهم مسؤولون عن تراجع شعبيته، بينما يعيد بيرنهام، بحسب الكاتبة، الاعتبار لفكرة أن السياسي يجب أن "يكسب ود الناس ويقيم صلة معهم".
وتشيد بأسلوبه في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، معتبرة أن مقاطع الفيديو التي ينشرها تمثل تحولاً واضحاً عن الأساليب التقليدية في السياسة البريطانية، إذ تتسم بنبرة مباشرة وشخصية. لكنها تضيف أن هذا التطور جاء متأخراً، لأن رؤساء الحكومات السابقين لم يمتلكوا الشخصية أو الرغبة في مخاطبة الجمهور بالطريقة التي تفرضها البيئة الرقمية، وفق تعبير الكاتبة.
ورغم إشادتها بمهارات بيرنهام الإعلامية، تؤكد الكاتبة أن النجاح السياسي في العصر الرقمي لا يقوم على الأداء أمام الكاميرا وحده، بل يحتاج إلى سياسات جريئة تعكس ما يقوله السياسي. وتقارن تجربته برئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، الذي لم يكتفِ بالتواصل المباشر، بل ربطه بإجراءات ملموسة، مستشهدة بقوله بعد انتخابه: "عندما ترشحت لمنصب رئيس البلدية قلت إنني سأفرض ضرائب على الأغنياء... واليوم نحن نفرض الضرائب على الأغنياء".
وتقر مالك بأن بيرنهام بدأ ولايته بإجراءات تركز على تحسين أوضاع المواطنين، مثل خفض تكاليف المعيشية، وتكاليف النقل، وتوسيع صلاحيات الأقاليم بعيداً عن لندن، كما وعد بـ"نموذج سياسي جديد ونموذج اقتصادي جديد". لكنها ترى أن خطابه لا يوضح بجلاء من يتحمل مسؤولية الأزمات أو كيف سيواجه القوى التي تستفيد من الوضع القائم.
وتنتقد الكاتبة تردده في استهداف أصحاب الثروات الكبيرة، وتمسكه بسياسات الهجرة الصارمة التي انتهجتها الحكومة السابقة، فضلاً عن عدم إحداث تغيير ملموس في السياسة الخارجية. وتشير إلى أنه، رغم اعتذاره عن موقف حزب العمال من غزة، أبقى على السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد بريطانية في ضرباتها ضد إيران، ويواصل التعاون التقليدي مع واشنطن.
وتخلص مالك إلى أن تغيير أسلوب السياسة لا يكفي ما لم يصاحبه تغيير حقيقي في مضمونها، مؤكدة أن "الأصالة تأتي من الانسجام بين الخطاب والممارسة"، وأن بيرنهام لن يصبح رئيس الوزراء "الثوري" الذي يعد به إلا إذا كسر، ليس فقط "الجدار الرابع" في مخاطبة الجمهور، بل أيضاً القيود السياسية والفكرية التي تحكم السياسات التقليدية.
"العطلة الصيفية يجب ألا تتجاوز الشهر"

في مقال بصحيفة "التلغراف"، تستعيد الكاتبة أليسون بيرسون ذكريات العطلة الصيفية في سبعينيات القرن الماضي، حين كان الأطفال يقضون ستة أسابيع من الحرية بعيداً عن المدرسة والأنشطة المنظمة، معتبرة أن تلك التجربة أسهمت بتشكيل جيل كامل.
وتصف في مقالها تحت عنوان "العطلة الصيفية المدرسية يجب ألا تتجاوز شهراً واحداً"، كيف كانت تقضي أيامها في ركوب الدراجات، واللعب في الغابات والحقول، والعودة إلى المنزل فقط عند موعد العشاء، بينما كانت الأم تكتفي بوصية واحدة: "عودوا في وقت الشاي... وإلا".
وتستشهد الكاتبة بكتاب الكاتبة إيسندا ماكستون غراهام (British Summer Time Begins)، الذي يصف العطلة الصيفية بأنها لحظة يشعر فيها الطفل بأنه دخل "محيطاً مترامياً من الزمن"، وترى غراهام أن تلك المساحة الواسعة من الوقت كانت ضرورية لتكوين شخصية الأطفال ومنحهم متنفساً بعيداً عن روتين المدرسة.
غير أن بيرسون تؤكد أن الواقع البريطاني تغيّر جذرياً. فمع ارتفاع عدد الأسر التي يعمل فيها الوالدان، أصبحت العطلة الصيفية، برأيها، "كابوساً لوجستياً" للأهالي، الذين يواجهون صعوبة في توفير رعاية مناسبة وميسورة التكلفة لأبنائهم.
وترى الكاتبة أن في بريطانيا لم يعد الأطفال يتمتعون بحرية التجول كما في السابق، بسبب ازدياد أعداد السيارات وتراجع الرقابة المجتمعية، مضيفة أن الحدائق والأماكن المفتوحة باتت، في نظر بعض الأهالي، أقل أمناً.
كما تشير بيرسون إلى شعور الأمهات بالذنب خلال العطلة الصيفية، إذ تقول إحدى الأمهات: "عندما يدخل أطفالي إلى غرفة نومي صباحاً ويسألون: ماذا سنفعل اليوم؟ يهبط قلبي"، لأن التزامات العمل تمنعها من قضاء الوقت معهم.
وتلفت الكاتبة إلى أن الأطفال أنفسهم لم يعودوا يستمتعون بالعطلة كما كان الحال في السابق، إذ يقضي كثيرون ساعات طويلة أمام الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتخلُص بيرسون إلى الدعوة لتقليص العطلة الصيفية إلى أربعة أسابيع، مع نقل أسبوعين إلى عطلة عيد الميلاد، معتبرة أن ذلك سيكون أكثر ملاءمة للأسر العاملة. وتدعو الحكومة إلى تقديم حوافز ضريبية تتيح لأحد الوالدين البقاء في المنزل لرعاية الأطفال، لكنها تعترف بأن تحقيق ذلك يبدو بعيد المنال.