في ظل استمرار أزمة سد النهضة وتوقف المفاوضات، كشفت دراسة علمية حديثة، بالاعتماد على تقنيات رصد الأرض والأقمار الصناعية، عن مفاجآت تتعلق بسلامة الهيكل الإنشائي للمشروع وتأثيراته الجيولوجية العابرة للحدود. وخلصت الدراسة إلى أن سد النهضة يمثل "قنبلة هيدرولوجية" خطيرة قد تتسبب بكارثة تتجاوز حدود إثيوبيا.

ونشرت جامعة أميركية كبرى بحثاً يتناول تقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بسد السرج المساعد التابع لسد النهضة، حيث شارك فريق علمي يضم خبراء من مصر والصين والهند وأميركا ونيبال في البحث الذي كشف عن مخاطر كبيرة تتعلق بالسلامة الإنشائية وتسريب المياه والفوالق الموجودة أسفل السد ورصد أنماط نشاط زلزالي في محيطه.

وأوضح الدكتور هشام العسكري، أستاذ نظم علوم الأرض والاستشعار عن بعد بجامعة تشابمان بكاليفورنيا، والذي شارك في إعداد الدراسة، أن سد النهضة الإثيوبي، الذي يعد أضخم مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، يقع على النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية ويتألف من سدين متكاملين: السد الرئيسي، وهو هيكل خرساني بارتفاع 145 متراً، والسد الفرعي المساعد المعروف بسد "السرج".

وأشار إلى أن الأهمية الاستراتيجية لسد "السرج" تكمن في كونه هيكلاً ركامياً بطول 5 كيلومترات، وصُمم لاحتجاز المياه في المناطق المنخفضة، مما يرفع السعة التخزينية للخزان إلى 74 مليار متر مكعب، منها 59.2 مليار متر مكعب سعة تخزينية فعالة.

وبيّن أستاذ علوم الاستشعار أن الدراسة اعتمدت في نتائجها على "تكامل بيانات رصد الأرض" عبر خمسة محاور منهجية متطورة لضمان دقة النتائج، شملت رصد التغيرات في مستويات المياه الجوفية خلال مراحل الملء، والنمذجة الهيدرولوجية، وقياس التداخل الراداري للتحقق من وجود أي هبوط تفاضلي في جسم سد "السرج"، والتحليل الإحصائي لربط ملء الخزان بالنشاط الزلزالي المحلي.

وأكد أن الدراسة كشفت أن إثيوبيا تمتلك تاريخاً جيولوجياً معقداً يتميز بوجود "الدرع العربي النوبي" وصدع شرق أفريقيا، مما أدى إلى تكوين أنظمة من "الصدوع والفوالق" تتخذ اتجاهات شمال شرق-جنوب غرب وشمال-جنوب.

وأوضح الدكتور العسكري أن التحليلات الجيولوجية أظهرت أن الصخور الجوفية تحتوي على مسارات تسرب محتملة قد تؤدي إلى فقدان كميات ضخمة من المياه المخزنة باتجاه طبقات المياه الجوفية العميقة، وهو ما يُعرف بـ"التسرب تحت السطحي عبر قاع الخزان وأساسات السد".

وكشفت الدراسة عن رصد نشاط زلزالي مستحث، حيث وجد الباحثون علاقة بين ارتفاع منسوب المياه في الخزان وزيادة تواتر الهزات الأرضية في منطقة السد، محذرة من أن هذا النشاط الزلزالي قد يؤدي إلى تنشيط الصدوع القديمة في حوض النيل الأزرق، خاصة مع وجود نشاط بركاني قريب، مما يخلق بيئة جيولوجية غير مستقرة تزيد من مخاطر "الانهيار الجيولوجي".

وبينت الدراسة أن البيانات تشير إلى وجود مناطق ضعف في أساسات سد السرج، وأن طبيعة الصخور المتآكلة تشكل تحدياً جسيماً لسلامته الإنشائية، مشيرة إلى أن الحركات الحرارية والهبوط التفاضلي قد يؤدي إلى تشقق "طبقة البيتومين" المانعة للتسرب، مما يفاقم من فقدان المياه ويهدد بانهيار الهيكل الركامي.

وخلصت الدراسة إلى أن سد النهضة ليس مجرد مشروع طاقة، بل هو "قنبلة هيدرولوجية" تتطلب مراقبة مستمرة تتجاوز حدود إثيوبيا، محذرة من أن أي انهيار في سد السرج سيؤدي إلى فيضانات كارثية تمتد لتشمل السودان ومصر، مما يهدد حياة الملايين، ومؤكدة على ضرورة تبني أطر دولية لرصد المخاطر الجيولوجية العابرة للحدود، ودمج بيانات الأقمار الصناعية في بروتوكولات السلامة.

واشنطن تستأنف وساطتها لإنهاء نزاع سد النهضة المستمر