تتعرّض العلاقات عبر ضفتي الأطلسي لضغوط متجددة بعدما رفضت دول أوروبية بشكل حازم المشاركة الفعلية في الهجمات الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وأعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً، عبر مقابلات إعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، عن استيائه من حلفائه الأوروبيين، ملوّحاً حتى بالانسحاب من التحالف العسكري القائم منذ عقود، حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتتحمّل الولايات المتحدة الحصة الأكبر من الإنفاق الدفاعي داخل الحلف، إلى جانب امتلاكها أبرز القدرات التكنولوجية العسكرية المتقدمة.

وإذا انسحبت، فهل ستكون الدول الأوروبية قادرة على توفير قوة ردع موثوقة من دون المظلة العسكرية الأميركية؟

ما هو الناتو وكيف تشكّل؟

خريطة لأوروبا تُظهر نسب الإنفاق الدفاعي لدول حلف شمال الأطلسي عام 2025 كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، باستخدام تدرجات الأحمر. تشير الدرجات الأغمق إلى إنفاق أعلى (4% فأكثر)، كما في بولندا ودول البلطيق، بينما تظهر دول أوروبا الغربية مثل فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة بدرجات أفتح (نحو 2% إلى 2.4%). تشمل الخريطة تسميات لعدد من الدول مثل النرويج وفنلندا وإستونيا واليونان وتركيا. مصدر البيانات: الناتو.

تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 بمشاركة 12 دولة، بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وفرنسا.

ويتفق أعضاؤه على أن أي هجوم على إحدى الدول يُعد هجوماً على الجميع، ما يستدعي مساندتها في الدفاع عن نفسها.

وكان الهدف من تأسيسه احتواء توسّع الاتحاد السوفيتي في أوروبا، وهو تكتل من جمهوريات شيوعية كانت تهيمن عليها روسيا.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، انضمت إلى الحلف دول عدة من أوروبا الشرقية، بينها ألبانيا وبلغاريا والمجر وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا ورومانيا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا.

كما تقدمت السويد وفنلندا، اللتان التزمتا الحياد لعقود، بطلب الانضمام في مايو/أيار 2022، عقب الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.

ويضم الحلف حالياً 32 دولة في أوروبا وأمريكا الشمالية.

ولا يمتلك الناتو جيشاً خاصاً به، لكن دوله الأعضاء يمكن أن تنفذ عمليات عسكرية مشتركة استجابةً للأزمات الدولية.

وشاركت قوات الحلف في أولى عملياتها القتالية عام 1994، عندما أسقطت طائرات مقاتلة أمريكية طائرات صربية خلال مهمات قصف في البوسنة، ضمن عملية "ديناي فلايت".

ومن العمليات الجارية حالياً "سي غارديان" لمراقبة البحر المتوسط، ومهمة الناتو في العراق، التي تُدار حالياً من مدينة نابولي الإيطالية بسبب الوضع الأمني في المنطقة.

ولا يزال طلب أوكرانيا الانضمام إلى الحلف معلّقاً.

ولم يرسل الحلف قوات إلى أوكرانيا، ولم يفرض منطقة حظر جوي فوقها، خشية الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، القوة النووية الكبرى.

غير أن دولاً أعضاء قدمت بشكل منفرد أسلحة ومعدات إلى أوكرانيا.

دفاع عن أوروبا

جندي إيطالي وعلى ذراعه شعار حلف الناتو

بوصفه تحالفاً عسكرياً، يمتلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) قوة ضاربة، غير أن خبراء يرون أن غياب الولايات المتحدة سيؤدي إلى تراجع ملموس في قدرة الحلف على ردع خصم قوي.

وتفيد وكالة رويترز بأن نحو 68 ألف عسكري أمريكي يتمركزون بشكل دائم، حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، في قواعد أمريكية موزعة على 31 قاعدة عسكرية، إضافة إلى 19 موقعاً عسكرياً آخر.

وترى الدكتورة توري تاوسيغ، مديرة مبادرة الأمن عبر الأطلسي في مركز الأبحاث الأمريكي "المجلس الأطلسي"، أن "التزام الولايات المتحدة بالناتو لا غنى عنه حالياً، سواء من حيث القدرات التقليدية أو النووية".

وشغلت تاوسيغ سابقاً مناصب رفيعة في وزارة الدفاع الأمريكية، كانت مسؤولة خلالها عن الشؤون الأوروبية والناتو.

وتقول، في مقابلة عبر البريد الإلكتروني مع بي بي سي، إن أوروبا ستواجه صعوبة في سد فجوات حيوية من دون الدعم الأمريكي، مثل "قدرات النقل الاستراتيجي، والاستخبارات، والمراقبة والاستطلاع، وأنظمة الدفاع الصاروخي".

من جهته، يتفق الدكتور غافين هول، المحاضر في الأمن الدولي بجامعة ستراثكلايد في غلاسكو، على أن أي انسحاب أمريكي سيشكّل صدمة للأمن الأوروبي.

وقال لبي بي سي: "لا تزال الولايات المتحدة تمثل القوة الحاسمة التي تستند إليها قدرات بقية أعضاء الناتو".

ويضيف أن الدول الأوروبية تدرك أن المرحلة الأولى من التعبئة والانتشار تقع بالفعل على عاتقها، وأن أعضاء الناتو يحتفظون بقدرات عسكرية أساسية حتى من دون دعم أمريكي.

وأشار إلى أن عمليات الناتو، مثل مهام الشرطة الجوية في البلقان أو الدوريات البحرية في البحر المتوسط، تُنفذ إلى حد كبير من دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة.

ما حجم إنفاق أعضاء الناتو على الدفاع؟

جنود ألمان يرتدون زياً مموهاً باللون الأخضر خلال عرض عسكري، يحملون علم حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مراسم عامة لإحياء توسيع الالتزام العسكري الألماني في ليتوانيا، في 4 فبراير/شباط 2026 بمدينة كاوناس.

سبق لترامب أن عبّر عن شكوك عميقة إزاء الحلف، وما يعتبره عجزاً سابقاً عن زيادة الإنفاق الدفاعي.

وخلال حملته لولاية رئاسية ثانية في 2024، أثار جدلاً عندما قال إنه، إذا عاد إلى الرئاسة، سيشجّع روسيا على مهاجمة دول في الناتو لا تلتزم بإنفاق يتجاوز 2 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.

وفي عام 2014، طلب الناتو من جميع أعضائه تخصيص ما لا يقل عن 2 في المئة من ناتجهم المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. وبحلول 2025، كانت جميع الدول الأعضاء قد حققت هذا الهدف.

أما الهدف الأحدث الذي التزم به الأعضاء فهو رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، شكّلت الولايات المتحدة نحو 66 في المئة من إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الناتو في عام 2024.

وتوضح توري تاوسيغ أن زيادة موازنات الدفاع الأوروبية باتت أمراً لا مفر منه.

وتقول إن الولايات المتحدة تسهم أيضاً بنحو 15 في المئة من الميزانية المشتركة للناتو، التي تُموَّل منها مقرات الحلف وقياداته العسكرية وبناه التحتية. وتضيف أنه رغم زيادة الحلفاء إنفاقهم الدفاعي، فإن الحاجة ستبقى إلى موارد أكبر بكثير إذا ما خفّضت الولايات المتحدة مساهماتها المالية.

طائرات مقاتلة مصطفّة في قاعدة رامشتاين الجوية، خلال يوم من تدريبات الطيران القتالي في 6 يونيو/حزيران 2024.

كيف يزيد الناتو دفاعاته تحسّباً لهجمات روسيا؟

في عام 2023، اتفق قادة حلف شمال الأطلسي على خطط مفصلة للتصدي لهجمات روسية محتملة في القطب الشمالي وشمال الأطلسي، أو في أوروبا الوسطى، أو في منطقة البحر المتوسط.

وفي العام السابق، أعلن الحلف أيضاً خططاً لزيادة عدد قواته في أوروبا الجاهزة للاستنفار من 40 ألفاً إلى أكثر من 300 ألف. كما عزّز دفاعاته على جناحه الشرقي المحاذي لروسيا عبر ثماني مجموعات قتالية، يختلف حجمها وتركيبتها بحسب المتطلبات العسكرية.

وينظم الناتو كل ثلاث سنوات مناورة "ستيدفاست ديفندر"، وهي من أكبر تدريباته العسكرية، بمشاركة نحو 90 ألف عسكري من الدول الأعضاء الـ32. ومن المقرر أن تُجرى النسخة المقبلة في عام 2027.

ويرى غافين هول أن "ناتو أصغر قد يواصل أداء دور ردعي، لكنه سيحتاج إلى قيادة وتوجيه واضحين".

كما يشدد على ضرورة تعزيز القدرات النووية.

ففرنسا والمملكة المتحدة تمتلكان أسلحة نووية، لكن إجمالي ترسانتيهما يظل أقل بكثير مقارنة بترسانة روسيا.

وتعمل الدول الأوروبية بالفعل على وضع خطط عسكرية لاحتواء الهجمات الأولى وتأمين تعبئة سريعة، غير أن هول يشير إلى أن استدامة ذلك على المدى الطويل تبقى موضع تساؤل.

تمزُّق "كارثي"

يجري الجيش الأمريكي بانتظام تدريبات ثنائية ومتعددة الأطراف مع حلفائه الأوروبيين، تسهم في تطوير التكتيكات وتعزيز قابلية التشغيل البيني، أي قدرة القوات العسكرية على العمل معاً بكفاءة.

ويمنح الانضمام إلى الناتو الجيش الأمريكي وصولاً سلساً إلى عدد كبير من القواعد في أوروبا.

وتقول توري تاوسيغ: "من دون الناتو، ستضطر الولايات المتحدة إلى إبرام اتفاقيات تعاون دفاعي مع الدول بشكل ثنائي كي تتمكن من العمل على أراضيها".

وتشير إلى أن لدى الولايات المتحدة بالفعل ترتيبات منفصلة مع العديد من الدول الأوروبية، لكنها قد تحتاج إلى توقيع اتفاقيات جديدة مع دول لا تربطها بها اتفاقيات مماثلة. لكنها تقرّ بأن أي خطوة من ترامب لتنفيذ تهديده بالانسحاب من الناتو ستكون لها تبعات عسكرية وسياسية.

وتحذّر تاوسيغ من أن "حدوث قطيعة أمريكية مع الحلف سيكون كارثياً سياسياً على وحدة الضفة الأطلسية، وعلى قدرة الردع التي يمثلها الناتو في مواجهة روسيا وخصوم آخرين".

وتضيف أن الحلف، إلى جانب ضمان الأمن، أسهم أيضاً في تعزيز صورة الولايات المتحدة وكسبها قدراً كبيراً من الثقة في أوروبا.

وتقول: "لا ينبغي أن ننسى أن المرة الوحيدة التي فُعّل فيها مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من الناتو كانت دفاعاً عن الولايات المتحدة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى مصداقية واشنطن كحليف موثوق داخل الحلف".

وقد فُعّلت المادة الخامسة عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة.

ويرى غافين هول أن ترامب قد يستخدم التهديد بالانسحاب من الناتو كورقة ضغط لانتزاع تنازلات في ملفات أساسية مثل غرينلاند، التي يقول إنه يرغب في ضمها لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو في ملف التجارة. ويضيف أن أي انسحاب سيكون ضاراً للطرفين.

ويقول: "من شأن ذلك أن يقوّض التوافق الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية حول عدم قابلية أمن أوروبا والأطلسي للتجزئة. وسيعني إعلاناً بأن أمن أوروبا لم يعد ضمن أولويات الولايات المتحدة، وأن التغيرات في ديناميات الأمن الأوروبي لم تعد تؤثر في المصالح الأمريكية".