مع اتساع رقعة المواجهات المسلحة داخل إثيوبيا ووصولها إلى مناطق ومنشآت حيوية، من بينها سيطرة "جبهة تحرير شعب تيغراي" على مطار ميكيلي، برزت تساؤلات ومخاوف في مصر بشأن احتمالات انعكاس هذه التطورات على سد النهضة وتدفقات مياه النيل.

وفي هذا السياق، أكد خبراء مصريون لـ"العربية.نت/الحدث.نت" أن تشغيل سد النهضة يخضع لمنظومة فنية مستقلة عن الصراع العسكري الدائر في إثيوبيا، ما يعني أن الأحداث الحالية لا تؤثر بشكل مباشر على تدفق المياه إلى مصر.

في المقابل، أشاروا إلى أن التغيرات السياسية المحتملة داخل إثيوبيا قد تفتح مستقبلاً مسارات تفاوضية جديدة بشأن ملف السد.

الصراع الإثيوبي وطبيعته الداخلية

وقال كبير خبراء إدارة المشروعات والمياه بالأمم المتحدة، أحمد فوزي دياب، إن ما تشهده إثيوبيا حالياً يرتبط بصراعات داخلية ناتجة عن تنازع المصالح والانتماءات العرقية.

كما أوضح دياب لـ"العربية.نت/الحدث.نت" أن النظام في إثيوبيا كان يقوم في السابق على الفيدرالية والديمقراطية، بما يتيح لكل ولاية إدارة شؤونها والحفاظ على خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، إلا أن التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة ومحاولات إعادة تشكيل الدولة ساهمت في تصاعد الخلافات وظهور أزمات متزايدة بين المكونات المختلفة.

كذلك أشار إلى أن الطبيعة المتعددة الأعراق في إثيوبيا تجعل استمرار هذه النزاعات عاملاً مؤثراً في مستقبل الدولة ووحدتها.

لا تأثير مباشراً على حصة مصر

وأكد دياب أن إثيوبيا تضم 7 أنهار رئيسية، لكن النهر المرتبط مباشرة بمصر هو النهر الواقع غرب البلاد، مشدداً على أن الصراعات الداخلية الحالية لا تؤثر بصورة مباشرة على حصة مصر من مياه النيل ولا تمنع استمرار تدفق المياه إلى القاهرة. وأضاف أن الفصل بين الصراع السياسي والعسكري من جهة، والموارد المائية من جهة أخرى، ضروري لفهم المشهد الحالي، موضحاً أن الأحداث الجارية لا تنعكس تلقائياً على تدفقات المياه.

فرص تفاوضية محتملة

كذلك رأى الخبير الأممي أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يقود إلى تحولات سياسية داخلية، مثل إعادة تشكيل الخريطة السياسية أو صعود قوى جديدة إلى الحكم.

وبحسب دياب، فإن أي تغيير من هذا النوع قد يدفع السلطات الجديدة إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع دول الجوار، بما في ذلك العلاقة مع مصر، وهو ما قد يخلق فرصاً جديدة للتفاوض حول القضايا العالقة المرتبطة بملف المياه.

لكنه حذر في الوقت نفسه من أن تدخل أطراف خارجية في النزاع قد يؤدي إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة.

المياه والصراعات الإقليمية

وأشار دياب إلى أن قضية المياه لم تعد مجرد ملف فني مرتبط بتوفير الموارد، بل أصبحت في العديد من المناطق جزءاً من تنافسات وصراعات إقليمية ودولية تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية.

كما أردف أن ما يحدث في إثيوبيا يجب النظر إليه ضمن إطار أوسع يرتبط بالصراع على الموارد والمصالح، مع التأكيد على عدم الخلط بين هذه التطورات وبين التأثير المباشر على الموارد المائية المصرية.

تشغيل السد منفصل عن الأحداث العسكرية

من جانبه، أكد أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، أن الاضطرابات الداخلية في إثيوبيا لا تؤثر على حصة مصر من مياه النيل، لأن إدارة وتشغيل السد تتم وفق إجراءات فنية مستقلة عن الظروف السياسية والعسكرية.

وأوضح شراقي لـ"العربية.نت/الحدث.نت" أن منظومة تشغيل السد يشرف عليها مهندسون ومتخصصون، وتواصل عملها بشكل طبيعي بغض النظر عن التطورات الأمنية في بعض المناطق الإثيوبية.

سد النهضة يقترب من الامتلاء الكامل

كما أشار إلى أن سد النهضة بات قريباً من الوصول إلى مرحلة الامتلاء الكامل، متوقعاً أن يتحقق ذلك خلال أيام أو خلال أسبوع على الأكثر، قبل بدء تشغيل إحدى بوابات التصريف لتمرير المياه.

فيما ختم قائلاً إن استمرار موسم الأمطار خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) يفرض تمرير كميات من المياه عبر بوابات السد، لافتاً إلى أن حجم المياه المتوقع تمريره يقترب من 250 مليون متر مكعب، ما يجعل تدفق المياه مسألة تشغيلية مستمرة لا ترتبط مباشرة بالتطورات الميدانية الجارية في إثيوبيا.

ملف معقد

يشار إلى أن سد النهضة يعد أحد أكثر الملفات تعقيداً في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، إذ تسبب في خلافات مستمرة بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن قواعد الملء والتشغيل.

وتعتبر إثيوبيا السد مشروعاً تنموياً وسيادياً يهدف إلى توليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما تطالب مصر باتفاق قانوني ملزم يضمن الحفاظ على حصتها المائية ويحدد آليات التعامل خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.

أما السودان، فيوازن بين الفوائد المحتملة لتنظيم تدفق المياه وتقليل مخاطر الفيضانات والحصول على الكهرباء، وبين مخاوفه المتعلقة بأمن السدود وآثار عمليات الملء والتشغيل الأحادية.