مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، واجهت التغطية الصحفية -خاصة المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع عند اجتياحها لمدينة الفاشر– حالة من التعتيم الشامل، وهو حال معظم الفظائع التي وقعت في مناطق عديدة بالبلاد، وفي ظل انقطاع الاتصالات واستهداف الصحفيين، تراجعت التغطية الميدانية، ليبرز دور تكنولوجيا الفضاء والتحليل عن بُعد بصفته النافذة الوحيدة لكشف الانتهاكات.
حلت صور الأقمار الصناعية محل الصحفيين الميدانيين، لتعمل بمثابة عين لا تنام توثق تفاصيل عمليات القتل الجماعي التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وتنقل مشاهد الدماء والمقابر الجماعية وحملات التجويع إلى العالم، وتسد الفراغ الذي تركه انهيار بيئة العمل الإعلامي بفعل الحرب المدمرة.
أرض مشبعة بالدماء
لم يكن كشف حجم المجازر في الفاشر من الأمور المتاحة لولا صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، ففي أعقاب سقوط المدينة، وفّر "مختبر جامعة ييل للأبحاث الإنسانية" أدلة بصرية عبر الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) تثبت وقوع عمليات تصفية جسدية استهدفت السكان.
🚨HUMAN SECURITY EMERGENCY🚨
El-Fasher has fallen to RSF. HRL finds evidence of mass killings including door-to-door clearance operations and objects consistent with reported bodies on berm entrapping El-Fasher.#KeepEyesOnSudan🛰️@AirbusSpace @Maxarhttps://t.co/1HApllgNL5 pic.twitter.com/yrCbM5HxeP
— Humanitarian Research Lab (HRL) at YSPH (@HRL_YaleSPH) October 27, 2025
لم تركز التحليلات على روايات الشهود من الخارج، بل استندت إلى رصد تغير واضح في لون الأرض إلى اللون المحمر قرب مركبات الدعم السريع، إلى جانب رصد أجسام تتطابق في أحجامها مع الجثث البشرية.
هذه البقع الدموية التي تشبعت بها التربة وباتت مرئية من الفضاء، أسقطت أي ذريعة لادعاء الجهل بما يحدث، وهو ما توافق مع تقارير صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية التي أشارت إلى مقتل نحو 500 شخص في مستشفى واحد، مع مقارنة سرعة القتل في الفاشر بما حدث في أول 24 ساعة من إبادة رواندا.
وقد حظي التقرير الأول للمختبر، الذي نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، باهتمام وسائل الإعلام العالمية عندما كشف عن أجسام تتسق مع حجم أجساد البشر على الأرض، مع رصد 5 حالات في الحد الأدنى لتغير لون التربة إلى الأحمر الداكن.
ويعد سقوط الفاشر حلقة في سلسلة الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الحرب التي اندلعت منذ أبريل/نيسان 2023، وقد أكدت بعثة أممية في فبراير/شباط 2026 أن هذه الانتهاكات تحمل سمات الإبادة الجماعية.
رصد المقابر الجماعية
وقد تجاوز دور الأقمار الصناعية مجرد توثيق لحظة المجزرة، ليمتد إلى تتبع مسرح الجريمة ورصد محاولات إخفاء معالمها، ومن خلال التحليل المستمر ضمن تنبيهات الفظائع الجماعية، حلل الخبراء التغيرات الطبوغرافية في المدينة، ليرصدوا غياب مئات الجثث التي كانت ملقاة في الشوارع، بالتزامن مع ظهور آثار حفر أرضية حديثة.
🚨ATROCITY ALERT🚨 @HRL_YaleSPH identifies body disposal including 2 mass graves and ongoing mass killing in RSF-controlled El-Fasher.
A checkpoint on Tawila road shows people grouped, possibly detained IDPs.
🛰️@Vantortech/@AirbusDShttps://t.co/1HApllgfVx pic.twitter.com/kynar4PVgB— Humanitarian Research Lab (HRL) at YSPH (@HRL_YaleSPH) November 5, 2025
وأكدت الصور الفضائية قيام قوات الدعم السريع بحفر مقبرتين على الأقل للتخلص من جثث الضحايا، وإلى جانب ذلك، قدمت المستشعرات الفضائية قراءة دقيقة للنشاط البشري، إذ رصدت توقف حركة الأسواق بصفة تامة، وتجمعات لنازحين عند نقاط تفتيش على طريق بلدة طويلة غربي الفاشر، مما وفر الإثبات المرئي على استمرار حملات الاحتجاز والتغييب القسري.
سياسة التجويع والأرض المحروقة
أثبتت تقنيات الاستشعار عن بعد قدرتها الفريدة على كشف النوايا العسكرية واستخدام الجوع بوصفه سلاح حرب فتاكا.
فقد استخدمت المنظمات تحليلات الأقمار الصناعية لتوثيق تدمير 41 قرية زراعية تقطنها أغلبية من قبيلة الزغاوة في محيط الفاشر، ووفرت هذه الصور قراءة للتسلسل الزمني تثبت تعمد قوات الدعم السريع إحراق هذه المجتمعات وحرمانها من زراعة المحاصيل.
🚨ATROCITY ALERT 🚨 @HRL_YaleSPH finds RSF continues body disposal, and no market activity in El Fasher – raising major concerns about the status of civilians.#KeepEyesOnSudan
🛰️ @Vantortech + @Planethttps://t.co/1HApllgNL5 pic.twitter.com/s4XG7ZC7vt
— Humanitarian Research Lab (HRL) at YSPH (@HRL_YaleSPH) November 22, 2025
وقد أظهر التحليل المكاني كيف تم تجريد القرى من سكانها وتدمير البنية التحتية الزراعية بصفة متعمدة، مما قدم الدليل المادي على فرض حصار التجويع على مدار 18 شهرا، وهو تفصيل كان من الصعب إثباته عبر الشهادات الشفهية وحدها.
وتسببت الحرب في السودان في انتشار الجوع ونزوح الملايين، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 28.9 مليون سوداني يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
سلوان من السودان تحكي لنا تجربتها مع حرب السودان..
فما الذي تعنيه الحرب لسلوان وما الخسارات التي سببتها لها؟ pic.twitter.com/fbFrVUoUIp— AJ+ عربي (@ajplusarabi) April 16, 2026
بديل الصحافة الميدانية
جاء هذا الاعتماد المحوري على أدوات المراقبة الفضائية نتيجة لانهيار بيئة العمل الصحفي، فمع انقطاع شبكات الإنترنت واعتقال مراسلين مثل معمر إبراهيم، مراسل قناة الجزيرة مباشر، واختفاء العديد من زملائه، أصبحت تغطية أحداث الفاشر شبه مستحيلة.

وفي هذا السياق، نقلت مجلة جامعة كولومبيا للصحافة شهادة الصحفية نادية طه أمام الكونغرس، إذ تحدثت عن العجز الذي تواجهه التغطية الإعلامية بعد تسريح الصحفيين في مؤسسات كبرى، وهو ما جعل الاستخبارات مفتوحة المصدر طوق النجاة لكشف الحقيقة.
3 سنوات من الحرب أعادت رسم ملامح الدولة.. ماذا تكشف صور الأقمار الصناعية عن التغيرات في #السودان؟ pic.twitter.com/lFm9BivKGs
— الجزيرة مباشر (@ajmubasher) April 15, 2026
وكما أوضح مدير مختبر ييل، فإن تقنيات المراقبة الفضائية تذهب إلى الأماكن التي يُمنع الصحفيون من دخولها؛ وبفضل هذه التكنولوجيا، تحولت الفاشر من حرب منسية إلى ملف مدعم بالأدلة المرئية التي اعتمدت عليها الأمم المتحدة لإقرار حدوث إبادة جماعية.