شهدت ولاية شمال كردفان في وسط السودان تحولاً ميدانياً بارزاً في مجريات المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعدما أعلن الجيش فرض سيطرته الكاملة على عدد من المدن والبلدات والمواقع الاستراتيجية في هذه المنطقة.
وبلغ ذلك ذروته مع إعلان القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في 26 يوليو/تموز الجاري، استرداد الطريق البري الحيوي المعروف بـ "طريق الصادرات". ويمتد هذا الطريق بين مدينتيْ أم درمان غربي العاصمة الخرطوم، والأبيض حاضرة ولاية شمال كردفان، وهو الشريان الرابط بين الحدود الغربية لولاية الخرطوم وعمق إقليم كردفان، مروراً بمناطق جبرة الشيخ، وبارا، وأم قَرْفَة.
وقد ظلت هذه المساحة الجغرافية مترامية الأطراف، خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب مع الجيش في أبريل/ نيسان 2023، وهو ما وفر لها خط إمداد لوجستياً وبشرياً رئيسياً لتنقُّل العتاد والمقاتلين.
تحول السيطرة والانهيار المتسارع
تحقق التقدم العسكري الأخير للجيش السوداني في أعقاب سلسلة من العمليات التي أطلقها الجيش وحلفاؤه من الحركات المسلحة والقوات المساندة، وأسفرت عن اختراق الخطوط الدفاعية لقوات الدعم السريع، في منطقة "رهيد النوبة" المتاخمة للحدود الغربية لمدينة أم درمان. وفتح ذلك الباب أمام اندفاع الجيش والقوات المتحالفة معه، جنوباً وغرباً، لتأمين مناطق بارا وأم قَرْفَة وجِريجِخ.
بعد يوم واحد من تحقيق الجيش ذلك التقدم، جاء رد فعل قوات الدعم السريع، عبر ظهور قائدها، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في كلمة مصورة على هامش اجتماع خاص بمجلس الأمن والدفاع التابع لحكومة "تأسيس" الموازية في السودان، والمدعومة من قوات الدعم.
وأبرزت العبارات التي استخدمها دقلو في كلمته، مدى انزعاجه من فقدان قواته للمواقع التي سقطت في يد الجيش في شمال كردفان. وقد وجه في الكلمة رسالة إلى قادته وجنوده الميدانيين، مانحا إياهم صلاحيات التصرف والتحرك المباشر، دون انتظار تعليمات قيادية مركزية، مع تأكيدات على فرض حظر صارم على التصوير الميداني وما يوصف بالتسريبات المرئية، والتشديد على ضرورة تغيير أساليب القتال والتعامل بصرامة، لمواجهة ما سماه "الطابور الخامس" في صفوف قوات الدعم.
وفي إجابته على سؤال بشأن أسباب ذلك التحول الدراماتيكي للوضع الميداني لقوات الدعم السريع في جبهة شمال كردفان، قال الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء إسماعيل مجذوب لـ "بي بي سي"، إن ما شهدته هذه الجبهة "يعكس حالة من التراجع الداخلي والانهيار المتسارع في هيكلة قوات الدعم السريع".
ويرى أن هذه الحالة تفاقمت "بسبب الانشقاقات المتتالية" لقادة ميدانيين بارزين في تلك القوات، وانضمامهم للجيش السوداني خلال الأسابيع الأخيرة، موضحاً أن تلك المجموعات المنشقة قدمت معلومات استخباراتية حاسمة، كشفت المحاور وسهلت سقوط التجمعات العسكرية المتاخمة لمدينة الأبيض.
كما يرى اللواء مجذوب، أن العقوبات الدولية والأمريكية المتلاحقة ضد قيادات بالدعم السريع، أوجدت حالة من التردد والارتباك الميداني، بالتزامن مع تضييق منافذ إمداد تلك القوات شبه العسكرية عبر الحدود، لا سيما في معبر أدري والمثلث الحدودي المتاخم لليبيا ومناطق النيل الأزرق، واستهداف هذه المنافذ كذلك.

350 كيلومتراً: الممر الحاكم
تستمد ولاية شمال كردفان أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الفريد وسط السودان، إذ تُعد بمثابة البوابة الشرقية لإقليم دارفور، والممر الحاكم ونقطة الارتكاز بين العاصمة الخرطوم والولايات الشمالية والشرقية والجنوبية من البلاد.
وتعود الأهمية الاقتصادية لـ "طريق الصادرات"، الذي سيطر عليه الجيش مؤخرا، إلى كونه المسار الأحدث والأسرع لنقل المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية التي يتميز بها إقليم كردفان، مثل الصمغ العربي والحبوب الزيتية والمواشي، باتجاه الموانئ ومنافذ التصدير.
ويمتد "طريق الصادرات" بطول يصل إلى نحو 350 كيلومتراً، عبر بيئة صحراوية وشبه صحراوية مفتوحة، تتخللها واحات وبلدات زراعية ورعوية رئيسية، مثل جبرة الشيخ وأم سيالة وأم قَرْفَة ومدينة بارا. وتجعل هذه الطبيعة الجغرافية الشاسعة، الطرف المتحكم في ذلك الطريق الأسفلتي، قوة مهيمنة أيضا على المنافذ البرية المؤدية إلى عمق المناطق الواقعة في غرب السودان.

بين آمال الانفراج والاتهامات باستهداف الأعيان المدنية
على الصعيد الإنساني يؤثر هذا التحول العسكري على السكان، فقد عانت مدينة الأبيض، وهي أكبر المراكز التجارية والصحية في المنطقة، من حصار واختناق شبه كاملين فرضتهما قوات الدعم السريع منذ مايو/أيار 2025 على المدينة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه عن قاطنيها، وحدوث ارتفاع قياسي في أسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع شح الدواء.
وقد تحدث عدد من أهالي الأبيض لـ "بي بي سي"، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، معربين عن أملهم في أن تؤدي سيطرة الجيش على "طريق الصادرات"، إلى كسر هذا الحصار، وتسهيل حركة السكان الراغبين في الوصول إلى العاصمة، بجانب ضمان تدفق المساعدات من أم درمان بشكل مباشر على مدينتهم، دون الحاجة للمرور بمسارات ترابية شاقة ومحفوفة بالمخاطر. وقال السكان الذين تحدثوا لـ "بي بي سي"، إن التطورات الميدانية الأخيرة المتعلقة بهذا الشريان الحيوي، بعثت حالة من الارتياح والترقب في آن واحد.
غير أن هذا التقدم الميداني للجيش، اقترن باتهامات وحديث عن تصاعد وُصِفَ بالحاد في الانتهاكات والمخاطر التي تحدق بالسكان. فمجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية أعربت عن بالغ إدانتها لما وصفته بتصاعد الهجمات الجوية التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية في ولاية شمال كردفان، خلال الفترة ما بين 24 و26 يوليو/تموز الجاري.
وبحسب توثيق أعدته هذه المجموعة، شملت الهجمات الجوية وتلك التي نفذتها الطائرات المُسيَّرة، استهداف محطة مياه قرية "أم نبقا مر"، ومركبة مدنية في "أمندرابة" ما أسفر عن مقتل شخصين، إضافة إلى قصف بئر للمياه ومركز صحي ومدرسة بقرية "الشعطوط" في منطقة جبرة الشيخ، فضلا عن استهداف شاحنة وقود مدنية في "أم بادر"، ما أوقع عشرات القتلى، حسبما قالت المجموعة الحقوقية.
وحذرت تلك المجموعة من أن نمط استهداف مصادر المياه والمنشآت الصحية ووسائل نقل الوقود والغذاء والإمدادات الرعوية يمثل "انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني يرقى لجرائم حرب"، مؤكدة أن هذه الهجمات فاقمت موجات النزوح، وقادت إلى الإضرار بالأمن الغذائي لجمهور المجتمعات المحلية المحاصرة في المنطقة.

التأثير على مستقبل الصراع في كردفان ودارفور
ويرى مراقبون ومحللون أن التأثيرات العسكرية لسيطرة الجيش السوداني على "طريق الصادرات"، تتجاوز الحدود الجغرافية لشمال كردفان، إذ مَكَنَّ ذلك قواته من تحويل قواعدها العسكرية في مدينة الأبيض، وفي مقدمتها مقر الفرقة الخامسة، إلى نقاط انطلاق استراتيجية، بدلا من بقائها في وضع دفاعي محاصر. فضلاً عن ذلك، قادت سيطرة الجيش على ذلك الطريق، إلى حرمان قوات الدعم السريع من شريان التغذية الرئيسي الواصل إليها من دارفور.
ومع ذلك، يرى الخبير العسكري اللواء إسماعيل مجذوب أن تأمين الجيش للسيطرة على "طريق الصادرات"، لا يعني حسم المعركة نهائياً، بل يؤسس لمرحلة جديدة في القتال، ستتأثر بطبيعة فصل الأمطار والتقلبات المناخية؛ إذ يتوقع أن تتراجع كثافة العمليات العسكرية والمواجهات المباشرة وحركة الآليات الثقيلة في المناطق ذات التربة الطينية والمكشوفة في كردفان ودارفور، جراء عوائق الحركة التي تشهدها فترة موسم الأمطار.
ويعتبر مجذوب في حديثه لـ "بي بي سي"، أن إقليم دارفور بات يمثل "بنك الأهداف الاستراتيجي الأخير" في الصراع الدائر في السودان، مشيرا إلى أن التطورات الأخيرة تُلقي بظلالها على موازين القوى في الإقليم، وسط استماتة الأطراف المتقاتلة، وسعيها لفرض هيمنتها على منافذه وحدوده المفتوحة.