في الحلقة الثالثة من سلسلة «الذاكرة السياسية»، يعود السياسي السوداني مبارك الفاضل المهدي إلى السنوات الأخيرة من الديمقراطية الثالثة في السودان، حين كانت الخلافات الحزبية تتسع، والتحالفات تتبدل، فيما كان مشروع آخر يجري إعداده بعيدًا عن مؤسسات الحكم، وانتهى فجر الثلاثين من يونيو عام 1989 بانقلاب أطاح الحكومة المنتخبة وأدخل البلاد في عهد استمر ثلاثة عقود.
ومن موقعه داخل حزب الأمة وقربه من رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي، يستعيد مبارك الفاضل شبكة العلاقات والصراعات التي حكمت تلك المرحلة، وفي مقدمتها العلاقة بين المهدي وحسن الترابي؛ علاقة امتزج فيها السياسي بالشخصي، وجمعت بين الرجلين صلات أسرية ومصاهرة، من دون أن تمنع انفجار الخلاف بينهما حول إدارة الدولة وقوانين سبتمبر والتحالفات التي ينبغي أن تحكم البلاد.
الصادق والترابي... مصاهرة لم تمنع الخصومة
يتوقف مبارك الفاضل طويلًا عند حسن الترابي بوصفه أحد أهم مفاتيح فهم ما جرى لاحقًا، فالتقارب الذي جمعه بالصادق المهدي لم يكن كافيًا لإنتاج مشروع سياسي مشترك، وسرعان ما تحولت ملفات الحكم والشريعة وقوانين سبتمبر إلى نقاط خلاف بين القوى السياسية، في وقت كانت فيه الديمقراطية السودانية تحاول المحافظة على توازن هش بين أحزاب ذات مشاريع متباعدة.
وبحسب رواية مبارك الفاضل، فإن تلك المرحلة شهدت محاولات متكررة للوصول إلى صيغة توافق سياسي، إلا أن الصراع حول شكل النظام ومستقبل القوانين التي ورثتها الديمقراطية عن عهد جعفر النميري ظل حاضرًا، كما بقيت العلاقة مع الجبهة الإسلامية القومية واحدة من أعقد الملفات أمام حكومة الصادق المهدي.
وهكذا مضت السنوات الأخيرة من الديمقراطية بين حكومات وائتلافات وخلافات داخلية، فيما كانت البلاد تواجه الحرب في الجنوب وأزمة اقتصادية وضغوطًا متزايدة على النظام السياسي، حتى باتت التسويات التي تُعقد في مكان تفتح أزمة جديدة في مكان آخر.
مشروع الانقلاب سبق الثلاثين من يونيو
أما أخطر ما يستعيده مبارك الفاضل في هذه الحلقة، فهو أن انقلاب الثلاثين من يونيو لم يكن، وفق روايته، قرارًا وُلد عشية تحرك الدبابات، وإنما سبقه إعداد داخل الجبهة الإسلامية القومية منذ مرحلة مبكرة.
ويؤكد أن فكرة الانقلاب كانت مطروحة داخل الجبهة الإسلامية حتى قبل دخولها الحكومة، ثم جُمّدت عندما أصبحت جزءًا من السلطة، قبل أن يعاد تفعيلها عقب خروجها منها؛ وهي رواية تضع انقلاب 1989 ضمن مسار سياسي وتنظيمي سبق لحظة التنفيذ نفسها، وتجعل تبدل موقع الجبهة من الحكم عاملًا أساسيًا في عودة الخيار العسكري إلى الواجهة.
وتتداخل في شهادة مبارك الفاضل هنا أسماء مدنية وعسكرية، وفي مقدمتها حسن الترابي وعمر البشير، إذ يستعيد ما كان يعرفه عن الصلات التي نشأت بين قيادة الجبهة وبعض العسكريين، وكيف تطورت الترتيبات تدريجيًا حتى أصبح الانقلاب مشروعًا قابلًا للتنفيذ.
الترابي والبشير... الطريق إلى «الإنقاذ»
ومع اقتراب الحلقة من الثلاثين من يونيو، يضع مبارك الفاضل حسن الترابي في قلب الرواية السياسية للانقلاب، متتبعًا علاقته بعمر البشير والظروف التي سبقت اختيار الأخير لقيادة التحرك العسكري، فيما كانت الحكومة والقوى السياسية منشغلة بصراعاتها ومحاولاتها لإعادة تشكيل الائتلافات الحاكمة.
والمفارقة التي ستطبع المشهد بعد نجاح الانقلاب أن الترابي، الزعيم المدني للمشروع الإسلامي، ظهر في البداية معتقلًا، بينما ظهر البشير قائدًا للسلطة الجديدة؛ في واحدة من أشهر صفحات العلاقة بين الحركة الإسلامية والعسكر في السودان، قبل أن تنكشف لاحقًا طبيعة النظام الجديد والقوى التي وقفت خلفه.
وبانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 طويت صفحة الديمقراطية الثالثة، وبدأ عهد «الإنقاذ» الذي سيحكم السودان ثلاثين عامًا، قبل سقوط نظام عمر البشير عام 2019. وبين التاريخين بقي السؤال الذي تستعيده شهادة مبارك الفاضل حاضرًا: كيف استطاع مشروع الانقلاب أن ينمو داخل الحياة السياسية السودانية، بينما كانت القوى التي يفترض أن تحمي النظام الديمقراطي غارقة في خلافاتها وصراعاتها