التقى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في مكتبه بالقصر الجمهوري -أمس الأحد- وفد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الذي يزور البلاد حاليا، ويتصدر المحادثاتِ معه رفعُ تجميد عضوية السودان وتطبيع العلاقات بين الطرفين.

وشدد المجلس على موقفه الثابت بشأن احترام سيادة السودان وسلامة ووحدة أراضيه، رافضا أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية أو محاولات إنشاء كيانات أو حكومات موازية.

ووفق بيان صادر عن مجلس السيادة الانتقالي، فقد وصف الرئيس الدوري لمجلس السلم والأمن الأفريقي الجزائري محمد خالد اللقاء بأنه "مثمر، وتناول جملة من القضايا المتصلة بالسلام والأمن والاستقرار في السودان".

رفض التدخل الخارجي

وبحسب البيان، فقد شدد خالد على موقف مجلس السلم والأمن الثابت والمتمسك بإدانة أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للسودان باعتباره يغذي النزاع.

كما أكد رفض المجلس لأي محاولات لإنشاء كيانات أو حكومات موازية من شأنها المساس بوحدة السودان وسيادته.

وأوضح خالد أن الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم في السودان يمر عبر الحوار والمصالحة الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تلبي تطلعات الشعب السوداني.

وأعرب عن ترحيب المجلس بالخطوات المتعلقة بمبادرة السلام، وعودة الحكومة لمباشرة مهامها من العاصمة الخرطوم.

واعتبر الرئيس الدوري لمجلس السلم والأمن الأفريقي ذلك خطوة محورية لاستعادة عمل مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

ودعا الحكومة والقوى السياسية إلى تعزيز شمولية العملية الانتقالية، والعمل على تحقيق توافقات وطنية تفضي إلى نظام دستوري عبر انتخابات حرة ونزيهة.

ومنذ أبريل/نيسان 2023، يشهد السودان حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، وفق تقديرات أممية ودولية.

خطوط حمراء

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس -خلال جلسة موسعة ضمت أعضاء مجلس السلم والأمن والوزراء والقوى السياسية في الخرطوم- إن هناك خطين أحمرين لا يمكن تجاوزهما، أولا عدم المساواة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني الذي يمتد عمره لأكثر من قرن، وثانيا عدم اتخاذ أي قرار بشأن مصير الشعب السوداني دون ممثلي الشعب، معتبرا أن الأنشطة التي تقام خارج السودان دون مشاركة حكومته "أعمال استعمارية".

وأكد إدريس -خلال الجلسة التي بُثت على الجزيرة- أن ملايين السودانيين بدؤوا في العودة إلى الخرطوم، محذرا -في الوقت ذاته- من أن ما حدث في السودان قد ينتقل إلى القرن الأفريقي والقارة بأكملها.

ودعا الدول الأفريقية إلى التعاون مع السودان في الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن، مشددا على أن القارة بحاجة إلى السودان مهد الحضارات القديمة بقدر حاجة السودان إليها.

خسائر الحرب

ومن جانبه، كشف وزير المالية السوداني الدكتور جبريل إبراهيم عن حجم الخسائر الاقتصادية الفادحة، التي تسببت فيها الحرب وتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي ومؤسسات بريتون وودز المالية، موضحا أن أكثر من 12 مليون شخص هُجّروا من منازلهم، وأكثر من مليونين عبروا الحدود لاجئين، في حين تراجع إجمالي الناتج المحلي بنسبة 40%، وفقدت العملة الوطنية قيمتها 19 ضعفا منذ عام 2023، في حين تجاوزت معدلات التضخم 80%.

وأوضح إبراهيم أن تعليق العضوية أدى إلى استثناء السودان من مشروع "إم 300" الهادف لإيصال الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي، رغم أن 60% من السودانيين لا يصلهم التيار الكهربائي، كما استُثني من مؤتمر "تيكاد" في طوكيو، وتوقفت عملية الانضمام لمبادرة الدول المثقلة بالديون، داعيا المجلس إلى إعادة النظر في قرار التعليق، لأن العقوبات تؤثر في المواطنين الأكثر ضعفا وليس الحكومة.

وفي القطاع التعليمي، سلط وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور أحمد مضوي موسى محمد الضوء على الدمار الذي طال القطاع، مؤكدا أن قوات الدعم السريع استهدفت عن قصد معاهد البحوث والكليات والجامعات منذ 15 أبريل/نيسان 2023، بما شمل النهب والإحراق والاحتلال وتفكيك الأصول المؤسساتية.

وأكد الوزير تضرر 124 مؤسسة تعليم عالٍ، منها 10 جامعات رسمية في ولاية الخرطوم و21 كلية مجتمعية، وأكثر من 65 كلية جامعية، إضافة إلى 11 جامعة رسمية في ولايات أخرى، مشيرا إلى أن الخسارة الكبرى تتمثل في فقدان الأرشيفات والمعدات المخبرية ومشاريع البحوث المتراكمة وسنوات من العمل العلمي، معتبرا أن تدمير جامعات السودان مأساة للبلاد وخسارة لأفريقيا بأسرها.

وكان السودان قد طلب رسميا من مجلس السلم والأمن الأفريقي إنهاء تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، بعدما علق المجلس مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد عقب قرارات البرهان القاضية بحلّ مجلسيْ السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ في أكتوبر/تشرين الأول 2021.


التدخلات الخارجية

ومن ناحيته، اتهم وزير التعدين السوداني أبو بكر عباس قوى خارجية بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، مطالبا مجلس السلم والأمن بالضغط على هذه الدول لوقف دعمها للدعم السريع، محذرا من أن استمرار هذه الممارسات قد ينقل الصراع إلى دول أخرى.

غير أن عباس جدد موقف الحكومة الداعم للسلام الشامل، معتبرا أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يكافئ مرتكبي الفظائع، بل تجب محاسبتهم، ودعا إلى حوار وطني يشارك فيه جميع السودانيين، مشيرا إلى أن الحكومة دعت إلى الحوار قبل الحرب، بينما رفضته أطراف أخرى أصبحت منشقة الآن ومشاركة في القتال.

وكان البرهان أعلن السبت أن الدولة ستوفر حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين في حوار تتولى إدارته آلية وطنية مستقلة، كما ستعلق الإجراءات الجنائية بحق من دُوّنت ضدهم اتهامات من السلطات.

وأكد قائد الجيش السوداني -خلال كلمة ألقاها احتفالا بالعيد الـ72 للقوات المسلحة- أن مجموعة وطنية من السودانيين بادرت -من تلقاء نفسها- بطرح مبادرة للحوار، وأنه التقى أعضاءها واستمع إلى رؤيتهم واستجاب لمطالب قدموها لتهيئة مناخ العملية السياسية.