عاد ملف المياه والأنهار العابرة للحدود إلى واجهة النقاش الأفريقي، اليوم الأحد، خلال استضافة مصر الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية بمدينة العلمين الجديدة.

وشارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الجلسة الافتتاحية للاجتماع، الذي ناقش التقدم المحرز في موضوع الاتحاد الأفريقي لعام 2026، المتمثل في "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063". كما يتناول الاجتماع تعزيز التكامل بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية.

إثيوبيا وإريتريا ومصر تصعيد دبلوماسي يثير قلق الاتحاد الأفريقي

كما أكد السيسي في كلمته خلال الجلسة، أن التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي، والتشاور والتنسيق وحسن الجوار، مع الالتزام بمبدأ عدم الإضرار بالدول الأخرى. وقال إن لكل دولة الحق في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية، على أن تتم ممارسة هذا الحق بصورة مسؤولة لا تلحق الضرر بالدول الأخرى. ودعا إلى التعامل مع القضايا العابرة للحدود من خلال التعاون والحوار، في إطار توجه أفريقي أوسع لتعزيز إدارة الموارد المائية المشتركة.

لكن ما هي الأنهار العابرة للحدود؟

المقصود بالأنهار العابرة للحدود الأنهار والأحواض المائية التي تمتد عبر أراضي أكثر من دولة، بحيث لا تكون الدولة التي يمر فيها جزء من النهر هي الدولة الوحيدة التي تتأثر بما يحدث فيه.

فإنشاء سد، أو تغيير تدفقات المياه، أو إقامة مشروع كبير على مجرى نهر في دولة ما، يمكن أن تكون له آثار على دول أخرى تشترك في النهر أو حوضه.

ولهذا أصبحت إدارة الموارد المائية المشتركة قضية تتجاوز حدود كل دولة، خصوصًا في قارة تضم عددًا كبيرًا من الأحواض والأنهار المشتركة.

هذا ويولي الاتحاد الأفريقي ملف المياه أهمية خاصة خلال عام 2026، بعدما اعتمد موضوع "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063". ويؤكد الاتحاد أن كثيرًا من أنهار وبحيرات أفريقيا تعبر الحدود الوطنية، ما يجعل التعاون الإقليمي عنصرًا أساسيًا في إدارة هذه الموارد.

النيل.. تتشارك فيه 11 دولة

فيما يأتي نهر النيل في مقدمة أبرز الأنهار العابرة للحدود في أفريقيا. وبحسب مبادرة حوض النيل، يمتد حوض النيل عبر 11 دولة هي: مصر، السودان، جنوب السودان، إثيوبيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، كينيا، وإريتريا.

وتوضح المبادرة أن إريتريا تشارك بصفة مراقب، بينما تضم مبادرة حوض النيل 10 دول أعضاء.

هذا ويمتد حوض النيل على مساحة تقارب 3.2 مليون كيلومتر مربع، ويضم أكثر من 257 مليون نسمة، فيما يتكون النظام النهري من فرعين رئيسيين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق، إلى جانب روافد أخرى مثل نهر السوباط ونهر عطبرة.

ويأتي النيل الأزرق من إثيوبيا، بينما ترتبط منابع النيل الأبيض بمناطق في منطقة البحيرات العظمى، قبل أن تلتقي روافده لتكوين مجرى النيل الذي يتجه شمالًا حتى البحر المتوسط.

وهذا الامتداد الواسع هو أحد أسباب تعقيد إدارة حوض النيل، إذ تتداخل احتياجات دوله من المياه مع الزراعة والطاقة والسكان والتنمية والتغيرات المناخية.

نهر النيجر.. 9 دول تشترك في حوضه

كذلك من الأحواض المهمة في غرب أفريقيا حوض نهر النيجر، الذي يضم دولًا عدة، من بينها مالي والنيجر ونيجيريا وغينيا وبوركينا فاسو وبنين وكوت ديفوار، إضافة إلى الكاميرون وتشاد، وفق بيانات مؤسسات إدارة الأحواض المائية الأفريقية.

ويعبر نهر النيجر مناطق واسعة من غرب أفريقيا، ويمثل مصدرًا مهمًا للمياه والزراعة والنشاط الاقتصادي في الدول التي يعتمد سكانها على موارده. ولهذا أنشأت الدول المعنية مؤسسات للتعاون في إدارة الحوض، من بينها هيئة حوض النيجر، بهدف تنسيق استخدام الموارد المائية المشتركة والمشروعات المرتبطة بها.

الكونغو.. أحد أكبر الأحواض المائية في القارة

وفي وسط أفريقيا يأتي حوض نهر الكونغو، الذي يمتد عبر مساحة ضخمة ويشترك فيه عدد من الدول، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية الكونغو وأنغولا والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى ورواندا وبوروندي وتنزانيا وزامبيا وجنوب السودان.

هل تكتفي إثيوبيا بسد النهضة؟ تقارير تتحدث عن خطط لبناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق

فيما يُعد حوض الكونغو من أكبر الأحواض النهرية في أفريقيا، كما يرتبط بمنظومة بيئية وغابات واسعة، ما يجعل إدارته مرتبطة ليس فقط بالمياه، وإنما أيضًا بالزراعة والطاقة والغابات والتنوع البيولوجي.

نهر الزامبيزي.. 8 دول حول مجرى واحد

أما في جنوب وشرق أفريقيا فيظهر حوض نهر الزامبيزي، الذي تشترك فيه ثماني دول، هي أنغولا وزامبيا وناميبيا وزيمبابوي وموزمبيق وبوتسوانا وملاوي وتنزانيا.

ويعتمد سكان هذه الدول على النهر وموارده في مجالات متعددة، بينها الزراعة والطاقة الكهرومائية، وهو ما يجعل التنسيق بين دول الحوض مهمًا عند إقامة المشروعات أو التعامل مع تغيرات تدفق المياه.

نهر الفولتا.. 5 دول في غرب أفريقيا

أما حوض نهر الفولتا فيرتبط بخمس دول هي بوركينا فاسو وكوت ديفوار وبنين وتوغو وغانا. وتتعاون دول الحوض من خلال هيئة حوض الفولتا لإدارة الموارد المائية المشتركة وتعزيز التنسيق بينها.

ولا تقتصر منظومة الأنهار العابرة للحدود في أفريقيا على النيل والنيجر والكونغو والزامبيزي والفولتا.

فهناك أيضًا أحواض وأنهار مشتركة مثل السنغال، وغامبيا، وأورانج-سينكو، وليمبوبو، وأوكافانغو، إضافة إلى حوض بحيرة تشاد، التي تتشارك مواردها دول عدة في منطقة الساحل ووسط أفريقيا.

وتوضح بيانات متخصصة عن الأحواض الأفريقية أن إدارة هذه الموارد تعتمد في كثير من الحالات على هيئات ولجان مشتركة بين الدول، بهدف تنسيق تدفقات المياه والمشروعات والبنية التحتية والاستجابة للفيضانات وغيرها من المخاطر.

لماذا تمثل الأنهار العابرة للحدود تحدياً؟

غير أن المشكلة الأساسية تكمم في أن النهر الواحد قد يكون مصدرًا للمياه والزراعة والطاقة بالنسبة إلى عدة دول في الوقت نفسه.

فالدولة الواقعة في أعلى مجرى النهر قد ترى في مورد المياه فرصة للتنمية وإنتاج الكهرباء والتوسع الزراعي، بينما تهتم دول المصب بضمان استمرار تدفقات المياه ووصولها بالكميات والتوقيتات التي تحتاج إليها.

ومن هنا تظهر أهمية الاتفاقات وآليات التشاور وتبادل المعلومات بين دول الحوض.

ويشير الاتحاد الأفريقي إلى أن إدارة المياه العابرة للحدود تحتاج إلى تعزيز التعاون الإقليمي، باعتبار أن كثيرًا من الأنهار والبحيرات الأفريقية مشتركة بين دول متعددة.

النيل.. النموذج الأكثر ارتباطاً بمصر

وبالنسبة إلى مصر، يظل النيل المثال الأبرز على تعقيدات الأنهار العابرة للحدود.

فمصر تقع في نهاية مجرى النيل، بينما تقع منابع وفروع رئيسية للنهر خارج أراضيها، وهو ما يجعل التعاون مع دول الحوض جزءًا أساسيًا من إدارة المورد المائي.

ولهذا جاء حديث السيسي في اجتماع العلمين عن أن التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود يجب أن يستند إلى القانون الدولي، والتشاور والتنسيق وحسن الجوار وعدم الإضرار بالدول الأخرى، في سياق أوسع للحديث عن إدارة الموارد المشتركة في القارة.

وبينما يختلف كل حوض نهري عن الآخر في الجغرافيا والاحتياجات وطبيعة العلاقات بين دوله، فإن القاسم المشترك بينها واحد: المياه لا تعرف الحدود السياسية التي رسمتها الدول، ولذلك تحتاج إدارتها إلى تعاون يتجاوز تلك الحدود.