تنويه: تحتوي هذه المقالة على عبارات قد تكون مزعجة للبعض.

تمتد بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية الإسرائيلية، الواقعة في عمق الضفة الغربية المحتلة، على عدة تلال، ويمكن رؤية أكواخها ومنازلها بوضوح من القرى الفلسطينية المجاورة.

شهدت المنطقة نهاية الأسبوع الماضي موجة من هجمات المستوطنين على قرى فلسطينية، بعد مقتل حارس أمن إسرائيلي من حفات جلعاد، خلال مواجهة بين فلسطينيين وإسرائيليين في قرية تل يوم الجمعة الماضي.

كما قُتل أربعة فلسطينيين وجندي إسرائيلي في الحادث، الذي لا يزال أساس اندلاعه محل خلاف.

بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع في التحدث مع فلسطينيين في محيط حفات جلعاد، توجهنا إلى البؤرة الاستيطانية نفسها، لسؤال أحد سكانها عن العنف، وتوسع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

من النادر أن يُسمح لمؤسسة إعلامية دولية، مثل بي بي سي، بدخول هذه البؤر الاستيطانية. لكن في هذه المناسبة، وافق يهودا شيمون، وهو محام يعمل مع منظمة تمثل إسرائيليين اعتُقلوا على خلفية ارتكاب أعمال عنف ضد فلسطينيين، على التحدث إلينا.

وقال لي إن الهجمات على القرى الفلسطينية خلال نهاية الأسبوع الماضي كانت مبررة بوصفها انتقاماً لمقتل حارس أمن البؤرة. وقال، مسمياً القرى الفلسطينية الأقرب إلى البؤرة: "أعتقد أنه بعدما قتلوا إسرائيلياً واحداً، يتعين علينا الآن قتل جميع الناس في تل وصرة، وحتى في جيت وفرعتا".

سألته إن كان يساوي بين حياة يهودي واحد ومئات أو حتى آلاف الأرواح الفلسطينية. قال: "لا، بل ملايين. حياة يهودي واحد تعادل عشرة ملايين (فلسطيني)".

وعندما سُئل عن الطابع العنصري لتصريحه، لم ينكر ذلك.

أجاب: "أجل، أعلم. لكن هذه هي الحقيقة، لأن الله اختارنا، ولهذا السبب أنتم تغارون".

هذه الآراء المتطرفة، التي يرفضها كثير من الإسرائيليين، ضرورية لفهم الصراع الدائر في الضفة الغربية، مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية، وتصاعد العنف ضد الفلسطينيين.

يرى العديد من المستوطنين هنا، وخاصة في البؤر الاستيطانية غير المرخصة مثل حفات جلعاد، التي بُنيت دون ترخيص أو رقابة قانونية من الدولة الإسرائيلية، أن الضفة الغربية أرض وهبها الله للشعب اليهودي.

وتُعد كل من المستوطنات الإسرائيلية الرسمية والبؤر الاستيطانية غير المرخصة، غير قانونية بموجب القانون الدولي.

أُنشئت بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية قبل أكثر من عشرين عاماً، تخليداً لذكرى ضابط أمن إسرائيلي قُتل على يد فلسطينيين، وهي عبارة عن مجموعة متناثرة من المنازل مع كرم للعنب يقع على قمة تل.

عند زيارتنا، وجدنا صفاً من المباني التي احترقت حديثاً قرب المدخل، ويقول شيمون إن ذلك نجم عن هجوم حرق متعمد من قبل فلسطينيين.

لكن وسائل إعلام إسرائيلية أفادت بأن الشرطة تعاملت مع الحريق على أنه عرضي، وأنه نجم عن أعقاب سجائر أُلقيت من نافذة سيارة.

أشخاص يقفون أمام منزل محترق

سبق للحكومة الإسرائيلية أن أعلنت نيتها إضفاء الصفة القانونية على بؤرة حفات جلعاد. إلا أن منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية، التي تراقب المستوطنات، تقول إن الحكومة لم تتمكن من ذلك لأن إسرائيل تعترف بأن جزءاً كبيراً من الأرض التي أُقيمت عليها البؤرة مملوك ملكية خاصة لفلسطينيين، فيما خصصت الحكومة بدلاً من ذلك قطعة أرض جنوب البؤرة كأراضي دولة، لتمكين المستوطنين من البناء عليها.

وقد رفض شيمون هذه المسائل، قائلاً إن القانون الدولي لا صلة له بالموضوع، لأن الكتاب المقدس منح اليهود الحق في أراضي الضفة الغربية.

وانتقد شيمون الحكومة والجيش الإسرائيليين، لعدم دعمهما مطالب اليهود بالأرض بقوة كافية، على الرغم من التوسع الهائل في المستوطنات والبؤر الاستيطانية في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، ووجود وزراء من اليمين المتطرف ذوي توجهات دينية قومية في مجلس الوزراء يقودون هذا التوسع.

كما انتقد الجيش الإسرائيلي لعدم استخدامه القوة المميتة بما يكفي ضد الفلسطينيين خلال مواجهاتهم مع المستوطنين الإسرائيليين.

وقال: "إن الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي، مثلهما مثل الأمم المتحدة، إذا جاء فلسطينيون وجاء يهود، فإنهم لا يقتلون الفلسطينيين، بل يفصلون بينهم فقط. وبعد ذلك، ولأنهم لا يقتلون الفلسطينيين، يقتلنا الفلسطينيون".

وتتناقض أرقام القتلى والجرحى في الضفة الغربية مع تصريحات شيمون.

يقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الذي يرصد هذه الأرقام، إن 64 فلسطينياً قُتلوا في الضفة الغربية منذ بداية هذا العام وحتى 20 يوليو/ تموز، 18 منهم خلال هجمات شنها مستوطنون.

قُتل 12 من بين هؤلاء على الأقل على يد مستوطنين، وثلاثة على يد القوات الإسرائيلية، وفي ثلاث حالات أخرى لم يتضح بعد ما إذا كان الجنود أو المستوطنون هم المسؤولون. ويشير المكتب إلى مقتل إسرائيلي واحد خلال الفترة نفسها.

ويقول مكتب "أوتشا" إن عدد الإصابات، التي تسبب بها المستوطنون خلال هذه الهجمات، ارتفع هذا العام بشكل حاد إلى أكثر من ثلاث إصابات يومياً.

لقد أخبرني جندي إسرائيلي خدم مؤخراً في الضفة الغربية أنه لم يرَ سوى الخوف على وجوه الفلسطينيين، و"لم يره قط على وجه أي يهودي يعيش هناك".

وعندما عرضت هذا الكلام، اتهم شيمون وسائل الإعلام العالمية بـ"تبني رواية الفلسطينيين"، زاعماً أن كل فلسطيني في المنطقة يمتلك سلاحين ويستعد لتكرار هجمات حماس، التي نفذتها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وقال: "إذا لم نستيقظ ونعمل على إخراجهم جميعاً من هذه المنطقة، ومن جميع مناطق إسرائيل، حتى غزة أيضاً، فسيعودون مراراً وتكراراً".

إن الصراع بين المستوطنين الإسرائيليين والسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية ليس صراعاً متكافئاً.

احتلت إسرائيل المنطقة خلال حرب 1967، ومنذ ذلك الحين شيدت مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية هناك، التي تؤوي الآن أكثر من نصف مليون يهودي.

ويحظى المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي القوي، وكذلك وحدات أمنية محلية مسلحة يعمل فيها المستوطنون أنفسهم.

بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية

لا يزال الإسرائيليون في الضفة الغربية خاضعين للقانون المدني الإسرائيلي ويتمتعون بحرية تنقل واسعة، بينما يخضع الفلسطينيون للاحتلال العسكري الإسرائيلي والمحاكم العسكرية، ويُقيّدون بشدة عبر إغلاق الطرق ونقاط التفتيش، وهو نظام وصفته بعض منظمات حقوق الإنسان البارزة بأنه "فصل عنصري".

وقد رفضت إسرائيل هذا الوصف، واعتبرته "سخيفاً ومشوهاً".

وعندما سُئل شيمون عن الفلسطينيين سكان الضفة الغربية، طرح ثلاثة خيارات: العيش بهدوء تحت الحكم الإسرائيلي وملكية (الإسرائيليين) للأرض، أو الهجرة طوعاً إلى دول عربية أو إسلامية أخرى، أو "إذا كنتم لا تريدون السلام معنا، ولا تريدون الرحيل، فليس لدي خيار: سأقتلكم، وسأقتلكم جميعاً".

تبدو هذه الرؤية الصادرة عن مستوطن متطرف واحد، قريبة على نحو لافت من خطة وضعها وزير المالية الإسرائيلي الحالي، بتسلئيل سموتريتش، في مخطط أولي نُشر عام 2017، قبل انضمامه إلى الحكومة.

في ذلك المخطط، قدّم سموتريتش خطة للضفة الغربية تُطالب الفلسطينيين بالتخلي عن أي نضال من أجل دولة فلسطينية، والعيش بهدوء تحت الحكم الإسرائيلي. وقال حينها إن من يجدون صعوبة في التخلي عن طموحاتهم الوطنية يمكنهم مغادرة المنطقة، أما من يبقون ويواصلون الكفاح المسلح ضد إسرائيل فسيتم قتلهم على يد القوات الإسرائيلية.

وفي الآونة الأخيرة، وخلال فترة وجوده في الحكومة، سعى سموتريتش إلى "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة وإعادة توطين الإسرائيليين فيه، ووصف الهوية الفلسطينية بأنها "مُختلقة".

أخبرتني امرأة فلسطينية تسكن على مرأى من بؤرة حفات جلعاد أنها تراقب البؤرة من نافذتها باستمرار، تحسباً لأي هجوم وشيك قد يشنه المستوطنون.

وقال العديد من الفلسطينيين الذين تحدثنا إليهم إنهم يشعرون بانعدام الحماية، فالجيش الإسرائيلي الذي يحتل المنطقة يركز على حماية المستوطنين الإسرائيليين، بينما تغيب قوات الأمن الفلسطينية، وقد تخلى المجتمع الدولي عنهم.

قال أحدهم: "إنه وضع سيء للغاية. أوروبا منشغلة، وأمريكا منشغلة بإيران، والصين لا تُبالي، وروسيا تحارب أوكرانيا، والأمم المتحدة انتهت، والعرب يعانون من مشاكل داخلية. لا نعرف ماذا نفعل".

خارج حفات جلعاد، تقع أقرب القرى الفلسطينية على بُعد أقل من ميل واحد، لكن المشهد هنا مُقسّم بفعل القانون الإسرائيلي، والقوة الإسرائيلية، والعداء المتبادل.

ساهم في إعداد التقرير أورين روزنفيلد وريبيكا هارتمان.