الخرطوم - في إحدى قرى ولاية نهر النيل، تجلس وجدان عبد الله، خريجة جامعة الخرطوم والنازحة من العاصمة بسبب الحرب، متفقدة بريدها الإلكتروني على هاتفها المحمول بشكل متكرر. قبل أسابيع، كانت وجدان تستعد للسفر إلى بريطانيا بعد حصولها على قبول لدراسة الماجستير في تخصص الطب التجديدي والخلايا الجذعية من ثلاث جامعات مرموقة، بما فيها جامعة 'كوين ماري' في لندن. إلا أن القرار البريطاني الأخير بتعليق منح التأشيرات الدراسية للسودانيين شكل صدمة كبيرة لها وأجهض آمالها.

تقول وجدان للجزيرة نت إن ظروف الحرب القاسية لم تثنها عن السعي للحصول على المنح الدراسية، حيث تعتبر الدراسة في الخارج حلماً شخصياً وعائلياً، وأملاً لأهالي منطقتها الذين يتطلعون إلى أن تسهم بعد إكمال دراستها في إعادة بناء النظام الصحي في السودان. وتضيف أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلاً، فبعد توقف الدراسة في العديد من مؤسسات التعليم العالي، قررت البحث عن فرصة في الخارج، وتكبدت أسرتها مشقة توفير تكاليف الاختبارات والإنترنت.

لم يكن قرار الدراسة في الخارج بالنسبة للكثير من الطلبة السودانيين مجرد خيار أكاديمي، بل طريقاً للنجاة من واقع مزقته الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، والتي أثرت بشدة على مؤسسات التعليم العالي. قرار بريطانيا بتعليق التأشيرات الدراسية ضيق هذا الطريق، ووضع مئات الطلبة أمام مستقبل مجهول. يأتي هذا القرار في إطار تشديد سياسات الهجرة واللجوء البريطانية، حيث بررت وزارة الداخلية تعليق منح التأشيرات الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار بارتفاع طلبات اللجوء من بعض الحاصلين على التأشيرات الدراسية بنسبة تجاوزت 470%.

وجدان ليست الوحيدة، فهناك العشرات من الطلبة السودانيين الذين كانوا يستعدون للسفر والدراسة في الجامعات البريطانية، بعضهم أنهى إجراءات القبول، وآخرون كانوا على قائمة الانتظار، قبل أن يصدمهم قرار الإيقاف.

أبو بكر عبد المنعم، طالب آخر كان يستعد لمغادرة البلاد بعد أن أكمل جزءاً من إجراءات التقديم والسفر للدراسة، يصف رحلة التقديم بالصعبة، ويشير إلى أشهر من التحضير واختبارات اللغة وجمع الرسوم قبل أن يأتي القرار ليؤجل حلمه. ويضيف أن مجموعة من الطلبة السودانيين كانوا يأملون أن تفتح لهم الدراسة في بريطانيا باباً لمواصلة تعليمهم المتأثر بالحرب، ويرى أن قرار الإيقاف لم يراع ظروفهم الاستثنائية، ويدعو المنظمات المعنية بالتعليم وحقوق الطلبة إلى الاهتمام بقضيتهم.

القرار الأخير دفع أبو بكر إلى إعادة التفكير في مستقبله الدراسي والبحث عن خيارات أخرى، في وقت تتزايد فيه التحديات أمام الطلبة السودانيين. وبينما يحاول البعض البحث عن بدائل، يرى مختصون في التعليم الدولي أن القرار قد يضيق الخيارات أمامهم بشكل كبير، خاصة أن الكثير منهم بدأوا بالفعل إجراءات التقديم وحصلوا على القبول قبل صدور القرار. وتشير داليا يوسف، المختصة في التعليم الدولي، إلى أن باب الدراسة في الخارج يضيق أكثر أمام الطلبة السودانيين، بعد القيود التي فرضتها الولايات المتحدة سابقاً.

وترى داليا أن القرار يبدو قاسياً في ضوء الإحصاءات الرسمية التي تشير إلى أن نسبة السودانيين الذين تقدموا بطلبات لجوء بعد دخولهم بتأشيرات دراسية لا تتجاوز 10%. وتضيف أن القرار قد يكون قابلاً للتغيير من الناحية النظرية، ولكن حتى لو حدث ذلك لاحقاً، فإن الكثير من الحاصلين على قبول قد لا يتمكنوا من اللحاق بالعام الدراسي.

في ظل هذه التأثيرات، يرى ياسين حسن، الأستاذ في عدد من الجامعات البريطانية، أن البحث عن بدائل قد يكون خياراً أكثر واقعية في الوقت الحالي. ويشير إلى أن أمام الطلبة السودانيين فرصاً أخرى يمكن النظر إليها، خاصة أن دولاً عدة تفتح أبوابها سنوياً للمنح الدراسية والبرامج الأكاديمية التي قد تشكل مساراً بديلاً لمواصلة التعليم. ويضيف أن القرار، وإن كان يستند إلى إحصاءات تتعلق بالهجرة واللجوء، فإنه يحمل طابعاً سياسياً يعكس توجهات أوسع في سياسات الهجرة داخل بريطانيا. وفي الوقت نفسه، يدعو ياسين أفراد الجالية السودانية في بريطانيا إلى التواصل مع الجهات المعنية والضغط من أجل إعادة النظر في القرار، على أمل أن يفتح ذلك نافذة أمل لطلبة وجدوا أنفسهم أمام مستقبل معلق.