يمثل انحسار مياه النيل وتراجع الأمطار في السودان تهديدا مباشرا للأمن الغذائي وسبل العيش، مع ظهور جزر وسط النيل لم يعهدها المزارعون من قبل، وارتفاع تكلفة الري، وتراجع الموسم الزراعي في مناطق واسعة.
وفي تقرير للجزيرة أعده الطاهر المرضي، يوضح المزارع محمود أن النيل كان يغمر أرضه في مثل هذا الوقت من كل عام، لكن المياه لم تعد تصل إليها، رغم أنه حرثها وقسمها مرتين، مشيرا إلى ظهور جزر في مجرى النيل لم يشهدها طوال 60 عاما من عمره.
ويضيف مزارع آخر متحدثا للجزيرة أن شبكة الري لم تعد كافية، مما يضطره إلى رفع المياه بالطلمبات المكلفة. ويلفت إلى أن الجفاف أثر في المناطق التي كانت تعتمد على مياه النيل، وهو ما دفع المزارعين إلى البحث عن بدائل مكلفة.
وفي السياق، يشير الخبير المائي الصادق شرفي إلى أن ما يحدث في مجرى النيل ناتج عن عوامل متداخلة، أبرزها طريقة تشغيل وتخزين سد النهضة، التي أثرت في الموسم الزراعي الصيفي. ويضيف أن السودان اعتمد بعد الحرب "الكارثية" على التوليد الكهرومائي من سدود مروي وعطبرة والروصيرص، وهو ما زاد الضغط على الموارد المائية.
وفي سياق متصل، يلفت التقرير إلى أن أزمة المياه لا تقتصر على النيل وشواطئه، ففي مناطق تعتمد على الأمطار، بدأ أثر موسم شحيح المطر يظهر على الأرض قبل موسم الحصاد، ويخشى المزارعون من أن يكون هذا التراجع بداية تغير أطول في نمط الأمطار.
خلل في الموارد المائية
ومن جهة أخرى، تقول وزارة الري إن تراجع الأمطار محدود الأثر، لكن خبراء ومزارعين يرون المشهد أكثر تعقيدا، موضحين أن انحسار النيل وظهور الجزر واليابسة في مجراه مؤشر على خلل في إدارة الموارد المائية.
وفي منتصف يوليو/تموز الماضي، كشفت صور أقمار صناعية حديثة -حللتها وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة- عن انحسار حاد في مناسيب النيل، وهو ما أدى إلى خروج محطة مياه الصالحة الرئيسية عن الخدمة.
وبالتزامن مع هذا الرصد البصري، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم عن خطة طوارئ عاجلة لاحتواء الأزمة وإعادة إمداد المياه إلى المناطق المتضررة جنوب أم درمان.
وتُظهر مقارنة صور القمر الصناعي الأوروبي "سنتينل-2″، المعتمدة على تقنية مؤشر المياه (NDWI)، التغير في مجرى النهر خلال شهر واحد، حيث توضح الصور بين 2 يونيو/حزيران و12 يوليو/تموز الماضيين ضيقا في المجرى المائي الرئيسي وظهور مساحات جافة شاسعة كانت مغمورة بالمياه سابقا، وتحديدا في المنطقة الملاصقة لمحطة مياه الصالحة، مما تسبب في ابتعاد المياه عن مضخات السحب.
وفي بيان رسمي صادر بتاريخ 13 يوليو/تموز 2026، كشفت حكومة ولاية الخرطوم عن خطة طوارئ شاملة لمواجهة الانحسار المتجدد في مناسيب النيل، وهو ما تطلب تدخلات مستدامة بعد فشل المعالجات السابقة، وفق تصريحات لمدير هيئة المياه محمد أحمد عوض.