على امتداد الحدود الفاصلة بين السودان وجنوب السودان، تتكرر سنوياً قصة فريدة تتجاوز الصراعات السياسية، حيث تتجسد عبر حركة قطعان الأبقار ومسارات الرعي الموسمي. ففي ولاية شمال بحر الغزال، تستقبل قبيلة دينكا ملوال الرحّل من عرب الرزيقات القادمين من دارفور خلال موسم الجفاف، قبل أن يعودوا مع بداية الخريف. هذا التعاون يمثل نموذجاً نادراً للتعايش وإدارة الموارد الطبيعية بعيداً عن تعقيدات النزاعات والانقسامات السياسية.

تُعد دينكا ملوال أكبر المجموعات الفرعية لقبيلة الدينكا في جنوب السودان، وتتمركز في ولاية شمال بحر الغزال، حول مدينة أويل والمناطق الريفية المتاخمة للحدود مع السودان. وتجاور أراضيهم مناطق دارفور وكردفان، حيث تتداخل تقليدياً مع مسارات الرعي التي يستخدمها الرعاة الرحّل، وعلى رأسهم عرب الرزيقات.

تعتمد دينكا ملوال على تربية الأبقار والزراعة، وتعتبر الماشية محوراً أساسياً في ثقافتهم وتنظيمهم الاجتماعي، بالإضافة إلى دورهم في وضع الأعراف التقليدية لتنظيم الرعي والتعايش مع القبائل الرحّل.

تعتبر الرزيقات من أبرز القبائل العربية الرعوية في دارفور غربي السودان، وتتركز أراضيهم التقليدية في جنوب وشرق دارفور، مع امتدادات رعوية تاريخية نحو كردفان والحدود مع جنوب السودان. يعتمدون على تربية الأبقار والتنقل الموسمي بحثاً عن الماء والكلأ، وفق مسارات تقليدية توارثتها الأجيال، وتشكل الماشية عنصراً محورياً في بنية المجتمع ومكانته.

تعود جذور العلاقة بين الرزيقات ودينكا ملوال إلى مسألة المراعي والمسارات الموسمية منذ فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. وقد عملت الإدارة الاستعمارية على تنظيم المسارات وتحديد مناطق النزول وضبط الوصول إلى المياه، مع فرض ترتيبات عرفية للصلح والتعويض، مما قلل من الاحتكاكات بين المجتمعات الرعوية.

إلا أنه مع ضعف الدولة بعد الاستقلال، شهدت العلاقة فترة توتر في أثناء الحرب الأهلية، وتحولت المراعي إلى ساحات صراع مسلح. ولكن سرعان ما عادت الآليات التقليدية لتلعب دوراً حيوياً في احتواء العنف وضمان استمرار الرعي الموسمي.

بدأت مؤتمرات السلام بين الطرفين في تسعينيات القرن الماضي، وتكرست بعد اتفاقية السلام الشامل عام 2005 واستقلال جنوب السودان. وقد هدفت هذه المؤتمرات إلى الاعتراف المتبادل بحقوق الرعي الموسمي، واحترام المسارات التاريخية للرعي، وتنظيم الوصول إلى المياه والمراعي، وضمان أمن الرعاة والمجتمعات المضيفة، بالإضافة إلى وضع آليات للتعويض وفض النزاعات. وأسهمت هذه اللقاءات في إعادة بناء الثقة وإحياء الأعراف التقليدية كأداة عملية لإدارة الموارد وحفظ الاستقرار عبر الحدود.

شهدت ولاية شمال بحر الغزال مؤخراً مؤتمراً جديداً للتعايش السلمي، بدعم من بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، بهدف تعزيز الاستقرار وتنظيم الرعي الموسمي. وأفاد ممثل الرزيقات، محمد بناني، بأن الطرفين اتفقا على تشكيل لجنة عليا للسلام، تتولى الفصل في النزاعات بين الرعاة، وتوحيد معايير التعويض والدية، وضمان التزام الجميع بعدم حمل السلاح في الأماكن العامة، بالإضافة إلى التأكد من تطعيم الماشية قبل دخولها إلى أراضي جنوب السودان.

من جانبه، أوضح لوكا لوال نيال، رئيس لجنة سلام الحدود الشرقية لأويل، أن المؤتمر الذي استمر 4 أيام في مدينة وانجوك أسفر عن نتائج ملموسة، منها الاتفاق على آلية تعويض الضحايا بما يعادل 41 بقرة في حالات القتل المرتبط بالنزاع. وأكد أن أثر هذه المؤتمرات بدأ يظهر بالفعل، حيث لم تسجل أي حالات قتل أو حوادث عنف كبرى على طول الحدود حتى الآن هذا العام، بينما تظل حالات سرقة الماشية محدودة ومعزولة، وليست أفعالا جماعية منظمة.

تواجه حركة الرزيقات الرحّل تحديات تشمل النزاعات على المراعي والمياه، وسرقات الماشية، وانتشار الأمراض، وقيود الدخول، خاصة بالنسبة للرعاة المسلحين. ويتم التعامل مع هذه المشاكل عبر المؤتمرات ولجان السلام، والإخطار المسبق للسلطات، وتنظيم صحة الماشية، مع الاعتماد على الأعراف المحلية لضمان التعايش السلمي وتقليل الاحتكاك مع المجتمع المضيف.

يرى الباحث في دراسات السلام لوليم نقور أن مؤتمر التعايش السلمي يمثل "دعامة عملية محلية للاستقرار في خضم تصاعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع". وأضاف أن "هذه المبادرات تظهر قدرة المجتمعات التقليدية على تنظيم علاقاتها عبر الأعراف والحوار، وتقديم حلول عملية لقضايا يومية مثل الرعي والموارد، بدلاً من تركها لتداعيات الصراع المسلح".

وأكد أن مثل هذه الفعاليات تعزز "ثقافة السلام من الأسفل، وتخفّض احتمالات نشوء نزاعات أكبر تتغذى من الفوضى الأمنية، خصوصاً مع انشغال الدولة المركزية بالقتال الداخلي".