في دراسة استقصائية معمقة أعدتها الباحثة بريسيل بيلمان من معهد رويترز لدراسة الصحافة، تبرز رؤية جديدة حول أهمية الأرشيف الصحفي، مؤكدة أن المؤسسات الإعلامية الرائدة بدأت في إعادة اكتشافه كأصل استثماري استراتيجي لمواجهة حالة إرهاق الأخبار التي يعاني منها الجمهور في العصر الرقمي.
ويوضح فريزر ماكلوريث، المراسل في مجلة الإيكونوميست البريطانية، أن الاستفادة من الأرشيف تتجاوز مجرد إعادة النشر التقليدية. فقد نجح فريقه في ابتكار منتجات تحريرية تربط الماضي بالحاضر عبر مسارات عدة، مثل المقارنة السياقية، وذلك بوضع مراجعة نقدية لعمل كلاسيكي في مقابل قراءة حديثة له، أو استحضار تغطية لأحداث تاريخية كخلفية لفهم أحداث معاصرة.
كما يقترح ماكلوريث إضفاء الصبغة التفاعلية على الأرشيف، من خلال تحويله إلى جدول زمني تفاعلي يعيد القارئ إلى الماضي، مما يخلق تجربة معايشة للتاريخ.
وفي باريس، تشير ماري لو روش، مديرة التحرير في منصة ريترو نيوز التابعة للمكتبة الوطنية الفرنسية، إلى أن القيمة الحقيقية للأرشيف تكمن في تفسير الحاضر. فمن خلال سلسلة تقارير حول إعادة تشكيل المشهد الزراعي الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، استطاعت المنصة تقديم سياق تاريخي للنقاشات الزراعية الراهنة.
ومن نيجيريا، يقدم فؤاد الأول، كبير الأرشيفيين في مشروع أركايفينج، تشبيها بليغا لعملية الاستفادة من الأرشيف الرقمي، حيث يرى أنه بمثابة ثمار الكاكاو، في حين أن الجمهور يبحث عن "الشوكولاتة" المصنوعة منها، أي النتائج والرؤى الجاهزة. ويركز مشروعه على استخراج إجابات واضحة من آلاف الوثائق القديمة لمساعدة المراسلين على فهم الأنماط المتكررة في المجتمع النيجيري.
وبحسب الدراسة، يمتد دور الأرشيف ليشمل بناء الشخصية المهنية للصحفيين. ففي مجلة تشارلي إيبدو الفرنسية، يؤكد جان لوب أدينور، نائب رئيس التحرير، أن الأرشيف هو الأداة الأولى لدمج الموظفين الجدد، حيث يُطلب منهم قراءة الأعداد القديمة لفهم الهوية الأيديولوجية للمجلة.
وفيما يخص الجانب التقني، يشير كريس موران، خبير الذكاء الاصطناعي التوليدي في صحيفة الغارديان، إلى كيف أدت التقنيات الحديثة إلى خفض التكاليف البشرية لإدارة الأرشيف. فقد طور فريقه روبوت دردشة داخليا يتيح للصحفيين سؤال الأرشيف والحصول منه على ملخصات فورية للوقائع التاريخية المرتبطة بأي خبر عاجل، مما يمنح التغطية اليومية عمقا تاريخيا.